مرآة كمالات الاسلام — Page 489
مرآة كمالات الإسلام عرضه ٢١٤ ٤٨٩ أو تركه. بل إن كافة أمور الخلق تسير بالاستناد إلى ذلك الحي القيوم وحده، وإن كان يبدو في الظاهر أننا لسنا محتاجين للعون من الغيب في شؤوننا بل نستطيع أن نتحرك حين نشاء ونتوقف حين نريد ونستطيع أن نتكلم أو نسكت متى نشاء، ولكن نظرة العارفين تؤكد أننا بحاجة حتما إلى النصرة من الغيب في كافة حركاتنا وسكناتنا وجميع أمورنا الأخرى. وإن قيومية الله تعالى تعمل في حالة كوننا نطفة وعلقة ومضغة وكوننا جنينا وفي كل حركة من حركاتنا وسكناتنا وكل قولنا وفعلنا؛ أي في كل ما يستلزم كوننا مخلوقا، ولكن تلك القيومية لا تنزل علينا مباشرة لكوننا محجوبين بأنفسنا؛ لأنه لا تشابه بيننا وبين ذات الله الألطف والأعلى والأغنى ونور الأنوار. لأن كل شيء منا، سواء أكان حيا أم لا، محجوب بنفسه وبعيد كل البعد عن حظيرة تنزه القدسية. لذا صار توسط وجود الملائكة بيننا وبين الله تعالى ضروريا كضرورة توسط القوى الروحانية والحسية بين جسد الإنسان ونفسه، لأن النفس كانت في غاية التجرد واللطافة، وأما الجسد فكان محجوبا بنفسه وواقعا في الكدورة والظلمة، لذا فقد خلق الله تعالى بينهما القوى الروحانية والحسية ذات الاتجاهين كي تنال تلك القوى فيضا من النفس الناطقة وتؤدب به الجسد كله وتهذبه. فليكن معلوما أن الإنسان عالم صغير ويحتوي على كافة شؤون العالم الكبير وصفاته وخواصه وكيفياته، كما يتبين من قدراته وقواه أنه يستطيع أن يُظهر نموذجا لقدرة كل شيء؛ إذ يملك الضوء مثل الشمس والنور مثل القمر، والظلام مثل الليل، ويمكن أن يكون منشأ آلاف الإرادات الطيبة ،والسيئة أيضا، وهو يقدر على النمو مثل الأشجار ويجذب إليه كل شيء بقوته الجاذبة. وكذلك يثبت كونه عالما صغيرا ٢١٤ العرض ضد الجوهر، أي ما كان قائما بغيره ومثاله الثوب ، ولونه، فالثوب جوهر واللون عرض، لأنه لا وجود للون دون وجود الثوب. (المترجم)