مرآة كمالات الاسلام — Page 490
٤٩٠ مرآة كمالات الإسلام من وجه آخر أيضا وهو أنه يجد كل شيء بداخله مثل العالم الكبير عند كشوفه الصادقة ورؤاه الصالحة؛ فيرى القمر في كشوفه ورؤاه أحيانا، ويرى الشمس والنجوم أحيانا أخرى وتارة يرى أنهارا من شتى الأنواع، ويرى الحدائق والنار والهواء وغيرها الأشياء. والأغرب من ذلك أنه يرى نفسه أحيانا في رؤاه الصالحة وكشوفه من الصادقة كأنه صار شمسا أو قمرا بنفسه، أو كأنه صار أرضا فيها آلاف البلاد. فتبين من هذه الأدلة أن الإنسان، عالم صغير، يملك في نفسه كل نموذج للعالم الكبير. فإذا تعذر فهم سر خفي من العجائب الدقيقة للعالم الكبير، فالطريق الأمثل هو أن يرجع المرء إلى العالم الصغير للاطلاع على ما يشهد عليه في هذا الأمر، لأن كلا هذين العالمين كالمرايا المتقابلة والعالم الذي رأيناه بجزئياته يمكننا أن نجعله معيارا لتشخيص عالم آخر. ولا شك أن شهادته يمكن أن تكون مدعاة لاطمئناننا. أما الآن وقد مُهد هذا التمهيد، فمن الأحسن القول بأن علاقة الملائكة بالأجرام العلوية والأجسام السفلية كعلاقة القوى النفسية والحسية بجسد الإنسان لأنه كما أن نفس الإنسان تدبّر شئون جسم الإنسان بواسطة القوى الروحانية والحسية كذلك إن قيوم العالم الذي هو كالنفس المدبرة لبقاء العالم كله وقيامه، وهو نور ٢١٥ حياته بحكم الآية: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) - يدبّر العالم الكبير بواسطة الملائكة، كما تقوم نفس الإنسان بتدبير جسده بواسطة القوى النفسية والحسية. ولا يسعنا إلا القبول بأن كل ما ثبت في العالم الصغير من نظام الله الأحد الذي لا شريك له يشبهه نظاما آخر في العالم الكبير أيضا لأن كلا النظامين صادر من الذات نفسه. والحق أنه من مقتضى ذلك الواحد الذي لا شريك له، أن يكون كلا النظامين على شكل ونمط واحد ليدلا معا على خالق وصانع واحد. فوحدة النظام تؤيد توحيد البارئ عز اسمه، لأننا نستطيع القول بأنه لو كان هناك أكثر من إله ۲۱۰ النور: ٣٦