مرآة كمالات الاسلام — Page 478
٤٧٨ مرآة كمالات الإسلام * لا مندوحة لنا من قبول النظام الباطني أيضا كما قبلنا النظام الظاهري تماما. فبناء على هذا السر نفسه قد ذكر الله تعالى في بعض الأماكن في كتابه العزيز هذين القانونين كليهما بكلمات مشتركة كما يقول : وَالدَّارِيَاتِ ذَرُوا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ۲۰۰ أي أُقسم بالرياح التي تفصل بخار الماء من البحار والمياه الأخرى كما هو حق الفصل، ثم أقسم بالرياح التي تحمل في ثناياها البخار الثقيل مثل الحوامل، ثم أقسم بالرياح التي تجري لتوصل السحب إلى غايتها المتوخاة، ثم أقسم بالملائكة الذين هم القائمون على إنجاز كل هذه الأعمال في الخفاء. أي ما أهمية الرياح، وما حقيقتها حتى تحمل من تلقائها بخار الماء من البحار وتحوله إلى سحاب، ثم تمطره في المحل المناسب وفي وقت الضرورة تماما، وتكون مقسمات الأمور ؟ كلا، بل هذا عمل الملائكة في الخفاء. ففي هذه الآيات قد ذكر الله تعالى أولا سبب نزول المطر من السحاب كما يبينه الفلاسفة الماديون، ثم بين كيف يتحول الماء إلى بخار فسحاب. ثم في الآية الأخيرة: فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا كشف الحقيقة وبيّن أنه يجب ألا يظن من ينظر بنظرة ظاهرية فقط بأن سلسلة العلل والمعلولات المادية تكفي لإدارة النظام الرباني، بل وراء السلسلة المادية هناك سلسلة أخرى للعلل الروحانية التي تعمل عملها وبسببها تجري السلسلة المادية. ثم يقول له في آيات أخرى: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ٢٠١ * أي أقسم بالرياح والملائكة الذين أُرسلوا بلين ويُسر. ثم أقسم بالرياح والملائكة الذين يمشون بقوة وشدة. وأقسم بالرياح التي تحمل السحاب، وأقسم بالملائكة الذين وكلوا بذلك السحاب. وأقسم بالرياح التي تحمل إلى الآذان كل ما يُذكر أثناء الكلام. وأقسم بالملائكة الذين يبلغون كلام الله إلى القلوب. وفي الآية: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ ۲۰۰ (الذاريات: ٢-٥) ٢٠١ المرسلات : ٢ - ٦