مرآة كمالات الاسلام — Page 460
٤٦٠ مرآة كمالات الإسلام شاهدا لحل أسرار الشريعة الدقيقة ولأن لهذا الهدف صلة مع القسم وهي أن الحالف عندما يقسم بالله مثلا فهو أيضًا يقصد من ذلك أن الله تعالى شاهد على أمره هذا - كذلك فإن بعضا من أفعال الله البينة شاهدة على بعض أفعاله الخافية؛ لذا قدم عمل في القرآن الكريم أفعاله الواضحة مرارا بصورة القسم إثباتا لأفعاله النظرية، ولا يسعنا القول بأنه قسم بغير نفسه؛ لأنه عمل في الحقيقة يقسم بأعماله هو وليس بغيره، علما أنه لا مغايرة بينه وبين أفعاله. فمثلا ليس المراد من قسمه بالسماء أو النجم أنه قسم بغير نفسه، بل إنما هو بِنِيَّة تقديم الحكمة وما صنعته يداه في السماء والنجوم شهادةً لإفهام بعض أفعاله الخفية. فالحق أن قسم الله من هذه الأنواع المذكورة في القرآن الكريم مليئة بأسرار المعرفة. وكما قلت قبل قليل إن الهدف من وراء بيان هذه الأسرار بأسلوب القسم ليس إلا أن القسم نوع من الشهادة التي تنوب مناب شاهد عيان. كذلك إن بعض أفعال الله شاهدة على بعض أفعاله الأخرى، فيقدم الله تعالى شهادة سننه - الواضحة في الكون في حلّة القسم لحل بعض دقائق شريعته، لتشهد سننه في الكون وهي شهادة الله الفعلية على قوله، ولكي يكون التوافق بين قوله وفعله مدعاة لمزيد من المعرفة والسكينة واليقين للسالك. ومن أسلوب الله جل شأنه الشائع في القرآن الكريم أنه يقدم مرارا وتكرارا أفعاله المبنية على القدرة التي توجد في المخلوقات بنظام وترتيب لبيان الأقوال الشرعية، ليوجه الناس إلى أن هذه الشريعة وهذا التعليم إنما هو من الله الأحد بواسطة البديهي والمسلّم به كشف حقيقة النظري وغير المسلم به شهادة سننه الطبيعية على أقواله، أو المراد من أحلاف الله تعالى هو تقديمه كلها تتدفق من نبع واحد إلى أن هذه الأقوال والأفعال بمخلوقاته هو ليتوجه الإنسان السر العظيم في أحلاف الله الذي أفعاله تطابق كليا أقواله هذه ؛ لأن التطابق بين الأقوال والأفعال يدل بكل وضوح على أن هذه الأفعال والأقوال إنما هي لذات الله.