مرآة كمالات الاسلام — Page 268
٢٦٨ مرآة كمالات الإسلام روحي أتم تلق، ولصقت بوجوده أشدَّ مما يُخيل، كأني هو، وغبت من نفسي، وظهر المسيح في مرآتي وتحلى، حتى تخيّلتُ أن قلبي وكبدي وعروقي وأوتاري ممتلئة من وجوده، ووجودي هذا قطعة من جوهر وجوده، وكان هذا فعل ربي تبارك وتعالى. وكان هو في أوّل أمري قريبًا مني كالبحر من القارب، ثم دنا فتدلى، فكان مني بمنزلة الماء في القربة، وتموج في جسدي روحه فصرتُ كشيء لا يُرَى. ووجدته كقَنْيد اختلط بماء لا يتميز أحدهما من الآخر، وأدركت بحاسة روحي أنه اتحمد بوجودي، وصرت في نفسه ملتفّا وصرنا كشيء واحدٍ، يقع عليه اسم واحد، وغابت طينتي في طينته العليا. هذا ما عُلّمنا من رَبِّنا، فاقض ما أنت قاض، واتق الله، ولا تخليد إلى أهواء الدنيا. وأما الكلام الكلي في هذا المقام، فهو أن للأنبياء الذين ارتحلوا إلى حظيرة القدس تدلّيات إلى الأرض في كل برهة من أزمنة يُهيج الله تقاريبها فيها، فإذا جاء وقت التدلي صرف الله أعينهم إلى الدنيا، فيجدون فيها فسادًا وظلمًا، ويرون الأرض قد ملئت شرا وزورًا، وشركا وكفرًا، فإذا ظهر لأحد منهم أن تلك الشرور والمفاسد من بغي أمته، فيضطر روحه اضطرارًا شديدًا، ويدعو الله أن يُنزله على الأرض ليهيئ لهم من وعظه رشدا. فيخلق له الله نائبا يشابهه في جوهره، وينزل روحه بتنزيل انعكاسي على وجود ذلك النائب ويرث النائب اسمه وعلمه فيعمل على وفق إراداته عملا. فهذا هو المراد من نزول إيليا في كتب الأولين، ونزول عيسى العليا، وظهور نبينا محمد الله في المهدي خُلقًا وسيرة . وما من محدَّث إلا له نصيب من تدليات الأنبياء، قليلا كان أو كثيرًا. ومن تجرَّدَ عن وسخ التعصبات فلا يتردد في هذا، ويجد السنة والكتاب مبينين لها. أيها الأعزة. . إن حضرة الله تعالى حضرة عجيبة، وفي أفعال الله أسرار غريبة، لا يبلغ فهم الإنسان إلى دقائقها أصلا. فمن تلك الأسرار تمثل الملائكة والجن، ومنها