مرآة كمالات الاسلام — Page 100
مرآة كمالات الإسلام ميزان الأعمال والصراط، وكذلك تتراءى أمور روحانية كثيرة متمثلة في أشكال مادية؟ هل يُستبعد عن قدرة الإله الذي أرى سلسلة الخلق التمثلي للعارفين في الدنيا أن يُريها في الآخرة؟ بل الحق أن لهذه التمثلات صلةً أقوى بعالم الآخرة، لأنه إذا كان هذا الخلق التمثلي يظهر على الحائزين على التزكية في هذا العالم الذي ليس مقام تجلي الانقطاع التام، فلماذا لا يُرى في عالم الآخرة الذي هو مقام انقطاع أكمل وأتم؟ الانتباه جيدا إلى أن العجائب كلها التي يقرأها شخص محجوب على أنها قصص وردت في آيات القرآن الكريم لتنبئ عن المعاد، تُكشف على العارفين في الكشوف في هذه الدنيا. فالذي لم يصل نظره إلى الحقيقة يستغرب من هذه البيانات، بل في كثير من الأحيان ينشأ في قلبه اعتراض أن استواء الله يوم الدين على العرش ووقوف الملائكة صفا ووزن الأعمال في الميزان وسلوك الناس على الصراط وذبح الموت يوم الجزاء كما يُذبح الكبش ، وكذلك ظهور الأعمال على الناس بصورة إنسان وسيم أو دميم وجريان أنهار اللبن والعسل في الجنة وغيرها من الأمور ؛ كلها تبدو بعيدة عن الحقيقة والمعقولية. ولكن كل هذه الشكوك تزول بحل نكتة واحدة وهي أن عالم الآخرة هو عالم الخلق التمثلي. ومن أسرار الله تعالى أنه يخلق بعض الأشياء على سبيل التمثل كما يخلق بصورة طبيعية. وكما ترون أن صورتكم تنعكس بكاملها في المرآة، ويمكنكم أن تتأملوا كيف ترتسم صورتكم العكسية وكيف تظهر فيها ملامحكم فلو صوّر الله تعالى الأمور الروحانية على وجه الحقيقة ووضعها أمام أعينكم بعد نفخ روح الصدق فيها، فما وجه الغرابة في ذلك؟ إن الله جل شأنه يكشف جميع الحقائق على الباحثين في هذه الدنيا، ولن يكون في الآخرة أمر لا يمكن كشف حقيقته في هذا العالم. وإذا اختلج في قلب أحد اعتراض أنه قد تلت الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا فقط