تحفہٴ بغداد — Page 146
روحانی خزائن جلدے ۱۰۴ ورأى التباب ولحق بالهالكين۔ ۱۴۶ كرامات الصادقين ثم اعلم أن قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يدل على أن السعادة كلها في اقتداء صفات ربّ العالمين۔ وحقيقة العبادة الانصباغ بصبغ المعبود وهو عند أهل الحق كمال السعود فإن العبد لا يكون عبدا في الحقيقة عند ذوى العرفان إلا بعد أن تصير صفاتُه أظلال صفات الرحمن فمن أمارات العبودية أن تتولد فيه ربوبية كربوبية حضرة العزة وكذلك الرحمانية والرحيمية وصفة المجازات أظلالا لصفات الحضرة الأحدية۔ وهذا هو الصراط المستقيم الذي أُمرنا لنطلبه والشرعة التي أوصينا لنرقبها من كريم ذي الفضل المبين۔ ثم لما كان المانع من تحصيل تلك الدرجات الرياء الذي يأكل الحسنات والكبر الذي هو رأس السيئات والضلال الذي يُبعد عن طرق السعادات أشار إلى دواء هذه العلل المهلكات رحمةً منه على الضعفاء المستعدين للخطيات وترحما على السالكين فأمر أن يقول الناس إِيَّاكَ نَعْبُدُ ليستخلصوا من مرض الرياء وأمر أن يقولوا إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ليستخلصوا من مرض الكبر والخيلاء وأمر أن يقولوا اهْدِنَا ليستخلصوا من الضلالات والأهواء ۔ فقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ حث على تحصيل الخلوص والعبودية التامة وقوله إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إشارة إلى طلب القوة والثبات والاستقامة وقوله اهْدِنَا الصِّرَاطَ إشارة إلى طلب علم من عنده وهداية من لدنه لطفا منه على وجه الكرامة۔ فحاصل الآيات أن أمر السلوك لا يتمم أبدًا ولا يكون وسيلة للنجاة إلا بعد كمال الإخلاص وكمال الجهد وكمال فهم الهدايات بل كلُّ خادم لا يكون صالحا للخدمات إلا بعد تحقق هذه الصفات۔