كتاب البراءة — Page 90
۹۰ كتاب البراءة كثرة الآلهة، لكن أوضاع القساوسة تبعث على الأسف الشديد إذ يؤولــــون تأويلات مخجلة ليجعلوا الإنسان إلها بتكلُّف، وأنا أرى أن أفكارا من زمن عبادة الأوثان تدفعهم إلى تعليم الشرك. يجب الانتباه إلى تكلفاتهم البعيدة جدا عن العقل والفهم، حتى إنهم استنبطوا أن صيغة الجمع الواردة في نص سفر التكوين من التوراة «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا» (التَّكْوِينِ ١: ٢٦) تشير إلى التثليث، ولكن لا يغيب عن البال أن الكلمة العبرية هنا هي "نعسه" بمعنى نصنع، فهذه الكلمة بتغيير بسيط تشبه كلمة "نصنع" العربية. وإن صيغة الجمع في العربية والعبرية تُستخدم لبيان تعظيم المتكلم أو غيره، مثل كلمة "أنتم" أو "نحن"، إلا أنهم لم يلقوا بالا للتعبير اللغوي بسبب فرط حماسهم لعبادة المخلوق، وكانت نتيجة ذلك أن استنتجوا التثليث لدى عثورهم على كلمة "نَعْمَلُ". فمؤسف جدا إلى أين وصل مآل هؤلاء المساكين نتيجة حبهم لعبادة المخلوق! ثم إنهم حدّدوا ثلاثةً من عند أنفسهم، وإلا فإن صيغة الجمع تدل على أكثر من ثلاثة أيضًا لتصل حتى المئات، وليس من الضروري أن يُراد من صيغة الجمع ثلاثة فقط. ومن جملة اعتراضاتي على النصارى أن الفداء الذي يقدمونه يُخالف قانون الله في الطبيعة، لأننا ندرك بالتدبر في قانون الله أنه يُضحى بالأدنى من أجل الأعلى في سنة الله منذ القدم، فالإنسان مثلا أشرف المخلوقات وهو أفضل من جميع الحيوانات بإجماع جميع العاقلين، فمن أجل صحته وبقائه ودوامه ونظام تمدنه تعدّ جميع الحيوانات بمنزلة الفداء له، فمن جراثيم الماء إلى النحل وديدان القز وجميع الحيوانات من الغنم والبقر حين ننظر إليها نجدها فداء لبني البشر وخادمة حياتهم؛ فلعلاج بثرة واحدة على بدننا تقتل مئات العلقــــات أحيانًا، لكي نتخلّص من البثرة، وكل يوم يُضحى من أجلنا بملايين الغنم