البراهين الأحمديّة الجزء الخامس — Page 271
البراهين الأحمدية (۲۷۱) الجزء الخامس كنت أعلم حينذاك بأن كلامي لن يصرف القلوب إلى اتخاذ الحذر الواجب، ولكن أخذ الهم بمجامع قلبي لأنني لم أنشر الخبر الذي تلقيته من الله العليم الحكيم كما كان حقه. أقول: إن سوء الظن لشيء مستعصي العلاج، وإلا فمن الواضح أنه إذا أعطي أحد علما أن دمارا من نوع كذا وكذا على وشك الحلول بفئة معينة، ولكنه لم يستطع تحذير هؤلاء القوم من الدمار كما كان حقه، وإلى جانب ذلك كان موقنا أيضا أنه سواء عليهم أأنذرهم أم لم يُنذرهم؛ فمع ذلك سوف يحزن قلبه حتما بعد حلول الدمار بهم ويقول في نفسه: ليتهم سمعوا ندائي ونجوا. أرى أن هذه الخصلة موجودة في كل قلب، غير أنه من الممكن أن يكون لدى بعض المشايخ في العصر الراهن قلوب نزع الله منها هذه الخصلة. ولو خطرت بالبال شبهة: كيف نستيقن أن صاحب الإلهام كان موقنا أن المراد من الإلهام "عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا وَمُقَامُهَا" هو الزلزال؟ فقد أجبت عليه من قبل بأنه من لا يتواضع أمام الله تعالى الأنبياء الذين ظلوا باكين متضرعين مبتهلين دائما فإن تضرعهم وحرقتهم كانت ناجمة عن إدراكهم أنهم أذنبوا إذا لم يستطيعوا أن يؤدوا حق التبليغ كما كان واجبا. السعادة كلها تكمن في إقرارهم بهذا التقصير أمام الله تعالى مولاهم الحق. إن استغفار نبينا الله كله كان مبنيا على هذا المبدأ فقط فكان يخاف كثيرا أنه لم يستطع أن يؤدي الخدمة التي كُلف بها - أي خدمة التبليغ والتضحية في سبيل الله- حق الأداء، مع أنه لم يؤد أنه لم يؤد أحد هذه الخدمة بقدر ما أداها النبي . ولكن خشيته عظمة الله وهيبته في قلبه تجاوزت الحدود كلها. لذلك كانت المداومة على الاستغفار شغله الشاغل. لقد ورد في التوراة أيضا: فَأَسْرَعَ مُوسَى وَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ وقال . . . أيها السيد وَاغْفِرْ إِثْمَنَا وَخَطِيَّتَنَا. (انظر الْخُرُوج ٣٤: ٨-٩) ويقول النبي شاول : أَخْطَأْتُ لأَنِّي تَعَدَّيْتُ قَوْلَ الرَّبِّ. صَمُوئِيلَ الأَوَّلُ ١٥: ٢٤)، ويقول النبي داود مخاطبا الله تعالى: إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ. (انظروا : الْمَزَامِيرُ ٤:٥١).