عاقبة آتهم — Page 124
١٢٤ عاقبة أنهم على الإنكار، وكذلك كان إلهام رب العالمين. أفلا ترون موت هذا الجاهل الكَفَّار، كيف فاجأه بعد الإصرار على الإنكار؟ وقد كُتِبَ قبل موته ذلك كله في إلهام الله القهار، وصُرِّحَ أنه سيؤخذ ويُمات بعد إخفاء الشهادة والغلو والاستكبار، ثم طبع وأُرسل في البلاد والديار. وما مات "آتم" إلا بين سبعة أشهر من الاشتهار الأخير، وكان ذلك الاشتهار نبأ موته وكالنذير. أفلا يتدبرون إلهاماتي، ولا يفكرون في كلماتي، ويمرون ضاحكين على آياتي، رضوا بهذه الدنيا ونسوا يوم الدين، فكيف أداوي خَتْم قلوبهم وأقفال رب العالمين؟ فالحاصل أن "آتم" خشي في الميعاد نبأ الرحمن، ورجع إلى الحق بخوف الجنان، لأنه ظن أن رحلته قربت ودنت، وخيامه طويت، وأوتادها قلعت، فخشي على نفسه كالمأخوذين فكان حقه أن يُمهل إلى زمان الاجتراء، وترك إلى ساعة المراء والإباء، فمهله الله إلى وقت رجع إلى كفره وطغى، ثم أماته تعذيبا في الدنيا والأخرى، وكذلك مضت سنته في الأولين. ٤٤ وأما خوف "آتم" من الله القهار، فلا يخفى عليك عند التعمق في الأخبار. ألا ترى أنه بعد ما سمع مني نبأ العذاب كيف ألقى نفسه في أنواع الاضطراب، وانقطع من الأحزاب والأتراب، واختار كمجنونين شدائد الاغتراب، وأنأته الدهشة عن الأهل والأحباب، حتى طارت حواسه من الهيبة، وأصابت عقله صابة من كمال الخشية، وطفق يجشأ من بلد إلى بلد كالمجنون، ويجوب كل طريق كالذي يطوّحه طوائح المنون. ورآه أناس كثير في زمن السياحة، وهو يبكي أو له رنّة النياحة، وشهدوا أنه كان بادي الغمّة كثير الكربة، كالذي يموت من الغلة، أو كالمجرمين المأخوذين. فلا شك أنه خشي وتنزل إلى الخوف من طغيانه، ولا ريب أن زواجر نبئنا نجعت في جنانه، وقرعت كلماتي صماخ آذانه، فخاف بها قهر حضرة 44 سهو، والصحيح: " ويترك". (الناشر)