عاقبة آتهم — Page 91
عاقبة اتهم ۹۱ على وجوده، وكيف الدلالة إذ لم يخلق شيئًا بل تباعد عن حدوده؟ ولا يفتي القلب السليم، والعقل القويم، أن يبقى وجود البارئ بغير دليل وبرهان مبين. = * ثم لَمَّا سلّموا أن أنواع المخلوقات نتيجة ضرورية لأنواع الحسنات والسيئات، لزمهم أن يقروا بأن أقسام الحيوانات لا يُجاوز أقسام الحسنة والسيئة، وهذا باطل بالبداهة والمشاهدة الحسية. فلا شك أن هذه الأوهام قد نُحتت من تلفيقات إنسانية، وتجويزات اضطرارية، فإنهم إذ لم يهتدوا إلى الحق، ألقوا الآراء رجمًا بالغيب كالعامهين، وما كانوا مهتدين. ثم من المعلوم أن الأمر لو كان كذلك من رب الكائنات، لوجب أن يكون قلة الناس وكثرتهم تابعا لتغير عدد الحيوانات، وهذا باطل بالبداهة، وكذب بَحْتُ عند نظر التجربة، لأنا نشاهد غير مرة في أيام البشرات كثيرا من الأذبة والحشرات والهوام والديدان والضفادع وأنواع الحيوانات، ونعلم أنها أضعاف مضاعفة من عدد نوع الإنسان، بل لا يوجد الناس عُشر عشيرها عند الحسبان. فلو كانت هذه الحيوانات أرواح الآدميين، فلزم أن لا يبقى في الخريف نفس واحدة منهم في الأرضين، ولكنا لا نرى هناك نقصانا في عدد نوع الإنسان، مع كثرة تكون حشرات الأرض والديدان، بل نراهم كل يوم متزايدين. وأما قولهم أنها أرواح تتنزل من معمورة السماوات، فهذه تكلفات واهية ومن قبيل الخرافات، تحتت عند فقدان الدلائل وورود الاعتراضات، وما أرى دلائل أقيمت على تلك الخيالات، بل هي كلمات غير معقولة تخرج من أفواههم من غير الإثبات، كمثل غريق يتشبث بالحشائش خوفا من الممات. ولو كان في السماوات ونجومها وشموسها وأقمارها أناس ساكنين مطمئنين، لكان معهم كثير من الحيوانات والحشرات التي انتقلت أرواحها من أجساد الآدميين، ولكان ذلك النظام أكمل وأتم كنظام الأرضين، غير محتاج إلى معمورة الآخرين. فبأي ضرورة تلجأ الأرواح حينئذ إلى النزول؟ وكيف يستقيم هذا التأويل عند العقول؟ أليس في حماة هذه العقيدة رجل من المستبصرين؟ = ثم لما جرت العادة أن كل حشرة تتكون في تلك الأيام، وكذلك وقعت في قانون الله صورة النظام، ولا تبلغ إلى هذه الكثرة في غير تلك الأيام المعدودة، فلو كان سبب هذا انتقال أرواح الناس إلى الحشرات في أيام البشرات لكان هذا الأمر من معضلات غير منحلة عند التحقيقات، بل من أمور بديهي البطلان والمحالات، ومورد كثير من الاعتراضات، عند كل ذي رأي متين. أتظن أن بني آدم يذنبون في تلك الأيام أكثر من أيام أخرى، فيموتون وينقلبون إلى الحشرات جزاء من ربهم الأعلى؟ فانظر. . أهذا أمر يقبله قلبك بالثلج التام، أو يشهد عليه قانون الله وصورة النظام؟