الكحل لعيون الآرية — Page 174
لأنه من وغير متناه وغير محدود وفوق كل فوق، وعُدَّ مبدأ الفيوض لجميع الناقصين، فالتفكير بحقه أنه يجب أن يكون له خالق، فهذا جهل سيء للغاية وغباء شنيع. إذا كان بحاجة إلى صانع فلا يبقى في هذه الحالة كاملا ولا غير محدود مع أنه اشترط على كونه إلها أن يحوز الكمال التام وأن تكون ذاته منزهة عن الحدود والقيود. باختصار، إن بعد الإيمان بكونه غير متناه وفوق كل طاقة، وكاملا وتاما ثم القول بأنه أيضًا بحاجة إلى خالق بمنزلة جمع النقيضين. لأنه إذا كان الإيمان الصحيح يتوقف على أن يُعد أكمل وأتم وغير متناه ومنزها من كل ضعف ونقصان فالتفكير بأنه يجب أن يكون له صانع بمنزلة الارتداد عن الإيمان نهائيا وإنكاره. كما من البين أيضًا أن الخالق يجب أن يكون أعلى من المخلوق، فلما كنا نسمي الذات الأكمل والأتم نفسه إلها ليس هناك أعلى منه، فلا بد من التسليم بأنه تلقاء نفسه. باختصار؛ إن تحقق الألوهية يلزم الإيمان بأن الله حائز على أقصى درجة الكمال. كما أن الكمال بالغ الغاية يلزم أن يكون من تلقاء نفسه. والقاعدة بأننا برؤية شيء مليء بالحكمة وحائز على أنواع الصفات العجيبة نتوصل إلى أن له صانعا حكيما، فهذه تخص أشياء العالم التي تثبت سلفا أنها ناقصة، والتي يتبين علينا أدلة كاشفة أنها محدودة ومقيدة ومحتاجة إلى غيرها لتكميل ذاتها. ثم إن جميع أعمال الصناعات التي توجد في مثل الوجودات الناقصة لا نجد بدا من الإقرار بحقها يقينا وقطعا أن منجز هذه العجائب موجود حتما وراء الستار. وهو القادر والحكيم والكامل. ومن الواضح على كل واحد أننا حين نجد بالنظر إلى أشياء العالم أنها محتاجة إلى موجد كامل وقادر أو نصدر الحكم بحقها أنه يجب أن يكون لهذه الموجودات صانع، فكل هذه الأشياء تبدو محسوسة ومعلومة الوجود أمام نظرنا وفكرنا بلا واسطة الأدلة بأي شكل من الأشكال؛ إلا الذات الوحيدة رب العالمين جل شأنه الذي لا نستطيع معرفته دون وسيلة الوحي أو المصنوعات الدالة على صانعها. فوجوده في الحقيقة ليس معلوم التعيين كوجود سائر الأشياء حتى يخطر ببالنا فكرة وجود موجده ومعينه. بل هو نتيجة لازمة للتدبر في جميع المصنوعات، من