الإعلان الأخضر — Page 15
فلو لم تكن هذه الابتلاءات لما بلغ الأنبياء والأولياء تلك المدارج العالية التي بلغوها ببركة هذه الابتلاءات، إذ إن الابتلاء قد وضع خاتم تصديق على وفائهم الكامل، وعزمهم الثابت، وعلى دأبهم في التفاني، وبرهن على صمودهم الرائع في زلازل الابتلاءات ،والاختبارات، وأثبت أنهم أوفياء صادقون وعشاق مخلصون الله تعالى بحيث قد هبت عليهم عواصف المحن، وتتالت عليهم ظلمات حالكة، وهزتهم زلازل عنيفة؛ لقد أهينوا وعُدّوا من الكذابين المخادعين والمحقرين، وخُذلوا وانفض الناس من حولهم حتى إن التأييدات الربانية التى كانت معقد آمالهم قد أخفت وجهها لمدة من الزمن، وقد بدل الله تعالى فجأة عادته المربية فبدا وكأنه غاضب جدا عليهم، وتركهم في الضيق والمحن وكأنهم يستحقون غضبه، وأظهر لهم وكأنه لا يبالي بهم ولا يشفق عليهم وإنما يبدي اهتمامه بأعدائهم، فطالت سلسلة ابتلاءاتهم فلم يكد ينتهي. الأول حتى يبدأ الثاني ثم الثالث. . باختصار، قد هطلت عليهم الابتلاءات بكل شدة كالأمطار الغزيرة في الليالي الحالكة السواد، إلا أن ذلك لم يثنهم عن عزمهم القوي، فلم يتكاسلوا و لم يتخاذلوا بل تقدموا نحو الأمام كلما نزلت عليهم المصائب والشدائد، واكتسبوا القوة والصرامة كلما تعرضوا للهدم ،والتدمير، وارتفعت عزيمتهم وازدادت شجاعتهم حماسًا كلما حُوِّفوا من مصاعب ومخاطر هذا السبيل، وفي نهاية الأنبياء محمد المصطفى في حالة الابتلاء، وقد قال في أحد دعواته وهو يناجي ربه: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. . . . لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك. منه