حَمامة البشریٰ — Page 301
روحانی خزائن جلد ۷ حمامة البشرى ظهورها وخروجها إلى الفعل إلا سد باب النبوة۔ وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " لو كان بَعْدِى نبى لكان عمر عمر وما قال هذا إلا بناءً على أن عمر كان محدثا ، فأشار إلى أن مادة النبوة وبذرها يكون موجودًا في التحديث، ولكن الله ما شاء أن يُخرجها مِن مَكْمَن القوة إلى حيّز الفعل، وإلى ذلك إشارة في قراءة ابن عباس وما أرسلنا من رسول ولا نبى ولا محدَّث، فانظر كيف أُدخل الرّسل والنبيون والمحدثون في هذه القراءة في شأن واحد، وبين الله أن كلهم من المحفوظين ومن المرسلين۔ ولا شك أن التحديث موهبة مجردة لا تُنال بكسب البتة۔ كما هو شأن النبوة، ويُكلّـم اللـه الـمـحـدثين كما يُكلّم النبيين، ويرسل المحدثين كما يرسل الرسل، ويشرب المحدَّث من عين يشرب فيها النبي، فلا شك أنه نبي لولا سدّ الباب، وهذا هو السر في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمّى الفاروق محدثا فقفّى على أثره قوله لو كان بعدى نبى لكان عمر، وما كان هذا إلا إشارة إلى أن المحدث يجمع كمالاتِ النبوة فى نفسه، ولا فرق إلا فرق الظاهر والباطن، والقوة والفعل فالنبوة شجرة موجودة فى الخارج مثمرة بالغة إلى حدّها، والـتـحـديـث كمثل بذر فيـه يـوجـد في القوة كلُّ ما يوجد في الشجر بالفعل وفي الخارج۔ وهذا مثال واضح للذين يطلبون معارف الدين، وإلى هذا أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث علماء أُمتى كأنبياء بني إسرائيل، والمراد من العلماء المحدثون الذين يُؤتون العلم من لدن ربهم ويكونون من المكلَّمين۔ وقد استصعب الفرق بين التحديث والنبوة على بعض الناس، فالحق أن بينهما فرق القوة والفعل كما بينتُ آنفا في مثال الشجرة وبذرها،