Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 603
الجزء التاسع ٦٠٣ سورة الزلزلة واللافت أيضا أن هؤلاء ينقلون بأنفسهم قول الرسول ﷺ "انقطع الوحي، وبقيت المبشرات. . رؤيا المؤمن"، الذي اعتبر فيه الوحي بالمقام الأول والمنام في المقام الثاني، فلو كان قوله تعالى إلا وحيا يعنى المنام كما يقولون، فكان يجب أن يقول الرسول ﷺ انقطع الكلام من وراء حجاب وبقي الوحي. . أي انقطع الكلام الذي أنزله الله تعالى من وراء حجاب ولم يبق إلا الوحي أي المنامات. ولكن الرسول الله يقول انقطع الوحي وبقيت المبشرات، مما يعني أن الوحي لا يعني مناما، وأن المعنى الذي يذكرونه للوحي باطل بداهة ومخالف للتعبير القرآني. الحق أن الوحي كما يعني - لغة - الإشارة والرمز والكتابة، فيعني الكلام الذي يراد إخفاؤه عن الآخرين ونرى أن القرآن الكريم قد استخدم الوحي بالمعنى الأخير، أي كلام الله الذي يراد إخفاؤه من الآخرين، ولم يستخدمه بالمعاني الأخرى إلا قليلا جدا. فلم يستعمل فيها القرآن الوحى بمعنى المنام مطلقا، بينما استعمله بمعنى الرمز والإشارة والكتابة في مكان واحد، وذلك عند الحديث عن زكريا الله، أو استعمله بمعنى التسخير في مثال الوحي إلى النحل. أما الأماكن الأخرى فلم يستعمل فيها الوحي بمعنى الرمز أو الإشارة أو الكتابة أو التسخير قط، أنه استعمل لفظ الوحي سبعين مرة. الواقع أن الله تعالى قد سمى كلامه وحيا بسبب إخفائه عن الآخرين. ذلك أن رغم سمعه الوحي ظاهرة لا يجربها الناس عامة. إن ما يعرفونه أن أحدهم إذا تكلّم الجميع، وليس أن يكلّم زيد فيسمعه عمرو دون الآخرين، فلذلك عندما يقال لهم إن شخصا ادعی أن الله يكلّمه يقولون مذهولين: أي هراء هذا! إذا كان الله يكلمه فلماذا لا نسمع كلامه معه؟ لأن زيدًا إذا تكلّم بيننا نسمعه جميعا، وكذلك لو أن الله تعالى قد كلّم موسى وعيسى ومحمدا بالفعل لوصل صوته إلى أسماعنا حتمًا. وحيث إن هذا الاعتراض يتولد في قلوب الناس عادة، فسمى الله كلامه وحيا؛ فكأنما قال: إنكم أيضا تتكلمون فيما بينكم أحيانًا بكلام تريدون إخفاءه عن الآخرين، فتُسمعونه من تريدون أن يسمعه وتخفونه عمن لا تريدون أن يسمعه، فمثلاً يهمس أحدكم في أذن غيره، فيسمع كلامه ولكن الآخرين لا يسمعونه.