Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 560
الجزء التاسع ٥٦٠ سورة الزلزلة أ- السياسة: فهي ليست كما كانت في الماضي، فقد تغيرت مبادئها كلية. في الماضي كان المراد من السياسة تفاوض ملك مع ملك آخر، أما اليوم فالحكم في يد العامة، فلم يعد نطاق السياسة محصوراً في تعيين الحدود بين بلد وآخر، بل أصبحت اسما للتدخل في كل شعبة من شعب حياة الناس أينما وجدوا. لم يكن الملوك في الماضي يهتمون بأوضاع البلاد الأخرى وسكانها: كيف يأكلون ويكسبون ويدرسون وماذا يتعلمون، وما هي حالة معيشتهم وما هي قوانينهم؟ أما اليوم فالسياسة تتدخل في كل هذه الأمور، وترى هذا التدخل ضروريا. من ناحية يدعون الحرية ومن ناحية أخرى يعلنون أنهم لن يسمحوا للدول الضعيفة بممارسة الحكم الذي لا يتوافق مع مبادئهم السياسية. فأحيانًا تضغط الدول القوية على الضعيفة لكي تمنحها حرية التصرف في مناجمها، وأحيانا تكرهها على اتباع نفس النظام الذي تعمل به بنوكها أو أن تستعير منها وزير المالية، وأحيانا تفتح كلياتها في البلد الآخر قسرًا، وأحيانا تفرض الحظر على تجاراتها وصناعاتها وحرفها، فتسمح الأشياء وتمنعها من أن تصنع غيرها. فالسياسة القديمة تبدو اليوم كولد غبي مقابل السياسة الجديدة. لقد صار الحكم لها بصنع بعض في أيدي العامة وقد قضي على النظام القديم وضرب به عرض الحائط. ويستمتع ب المعيشة: أما الثورة الحاصلة في المعيشة فلا حدود لها، فما كان يُعتبر من قبيل البذخ ومن حق الأثرياء فقط، قد صار اليوم ملكًا للعامة. والأطعمة التي تيسرت الآن لفقراء الدول المتحضرة لم تكن ميسرة للأثرياء في الماضي، فالفقير في الدولة المتحضرة يأكل سمك المحيط الهادي جالسا بعيدا عنه آلاف الأميال، بأكل السردين البرتغالي والخوخ الكاليفورني والإجاص الإيطالي والعنب الأفغاني والبرتقال الأسترالي والكلمنتينا الياباني والموز الإفريقي والمانجو الهندي، ومع يشتكي من فقره، رغم أن هذه الأشياء لم تكن تتيسر للأثرياء في الماضي. لو أعيد من عهد فرعون مثلاً إلى الحياة اليوم ورأى بعض العمال الأوروبيين يتناولون الطعام، فربما ظنهم فراعنة مصر وقال ها قد أصبح الفراعنة أكثر غنى وتوفّرت لهم رجل ذلك