Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 61
الجزء الثامن ٦١ سورة النبأ من تاريخ الإسلام إنما هي شرح لهذه الآية، وأن الهجرة إلى الحبشة والأيام الأولى في المدينة لدليل ساطع على تحقق النبأ الوارد في قول الله تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَارًا. اصطدمت بهم ذلّت، حتى والمعنى الثاني لقوله تعالى إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا أننا سنجعلهم فائزين، وهذا المعنى أيضا قد تحقق في المدينة. والواقع أنه لم تكن المدينة وحدها دليلا على تحقق هذه النبوءة، بل قد أصبحت الجزيرة العربية كلها، بل العالم الوسطي كله، فيما بعد دليلاً على فوز المسلمين ونجاحهم. فكل أمة خرجت لمحاربتهم هزمت، وكل قوة فُتحت خزائن كسرى وقيصر ووقعت في أيدي المسلمين. كانت المدينة قرية صغيرة، ولم يكن المسلمون آمنين فيها حتى في بيوتهم، ولذلك عقدوا مع اليهود معاهدات كيلا يغدروا بهم ويزيدوهم ضعفا. إن هذه القرية الصغيرة أصبحت فيما بعد مركزا للعالم، وكلما صدر أمر منها ارتعدت الدنيا كلها ولم تقدر على رفضه. ثم إن المدينة المنورة هي القرية التي جلبت إليها کنوز كسرى وقيصر في يوم من الأيام لتوزّع على المسلمين، حتى وُضعت أساور كسرى الذهبية في يد الصحابي سراقة بن مالك. كان النبي ﷺ قد أخبر سراقة أثناء الهجرة إلى المدينة أني أرى أساور كسرى في يدك ولما دمّرت إمبراطورية كسرى جيء ، بأسورته فألبس ه سراقة هذه الأسورة رغم تردّده في لبسها، ٣ وذلك لتتحقق نبوءة الرسول ﷺ (الإصابة، سراقة بن مالك). فشتان بين ما ج كانت عليه تلك القرية في أولها وبين ما كانت عليه حين أُلبست فيها أسورة کسرى في يد صحابي فقير فيها. وكما سبق أن بينتُ أن كلمة (مفازا تنطبق بمعناها الأول - أي مكان النجاة الهلاك على الحبشة والمدينة كلتيهما، أما مكان من بمعناها الثاني - أي الفوز والنجاح - فتنطبق على المدينة فقط. إذًا، فقوله تعالى إنْ للْمُتَّقِينَ مَفَازًا كان نباً بأننا سنعطي المسلمين المدينة المنورة التي ستكون فوزهم ونجاحهم. فالحق أن هذه الآية - مع كونها نبوءة عن الهجرة الأولى أي الهجرة إلى الحبشة - كانت نبوءة عن الهجرة الثانية وهي الهجرة إلى المدينة بشكل أوضح وأروع.