Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 30
الجزء الثامن سورة النبأ أما القرآن الكريم والرسول ﷺ فتشير إليهما هذه الآية من حيث إن الله تعالى قد بين هنا أنكم تتضايقون مما يقوله لكم هذا الرسول والقرآن، وتقولون إن القرآن والرسول قد أحدثا في المجتمع شغبًا وفسادًا، ودفعا بالقوم إلى النزاع والحرب، وأديا إلى الفُرقة بين الأب وابنه والأم وابنتها والأخ وأخيه، والمرء وصاحبه؛ وكأنهم يقولون إن مجيئهما يُشعرنا بحرارة محرقة كما يشعر المرء بحرارة من الشمس، فيرد الله عليهم بأنكم تشعرون اليوم بحرارة من قبله بلا شك، ولكن هذه الحرارة نفسها ستتحول في النهاية إلى مطر رحمة. الحق أن الله تعالى ينمّي بهذه الحرارة مواهبكم ويزودكم بقوى جديدة، ولكنكم لا تشعرون بذلك، فتتأذون من التغير الحاصل فيكم. ألا ترون أن الطبيب حين يجري العملية الجراحية يشعر المريض بأذى المشرط ، ولكن المشرط نفسه يتسبب في شفائه وراحته، كذلك تشعرون من قبل محمد حراً وضيقا وأذى، ولكن هذه الحرارة والوهج والضوء نفسها ستؤدي إلى راحتكم وسكينتكم. وكما أن حرارة الشمس تصعد بالسحب ثم تمطرها على الأرض ماء، كذلك ستصعد من قلوبكم سحائب الإيمان والعرفان في يوم من الأيام وتتدفق من صدوركم عيون العلم والمعرفة التي تنتشر مياهها في العالم كله. هذا لقد ذكرتني كلمة مَاءً تَجَاجًا برؤيا رأيتُها قبل أيام حيث أُريتُ فيها القلب الإنساني على صورة تَنُّور، ورأيت أن ماء العرفان الإلهي أخذ يتدفق منه ويغمر الدنيا. وعندما رأيت الماء يتدفق قلت إن هذا الماء سيظل يتدفق ويغمر الأرض حتى لن يبقى شبر واحد منها لم يصله ماء العرفان الإلهي. وهذا هو المعنى الذي بينه الله تعالى في قوله وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَات مَاءً تَجَاجًا. . أي أن حرارة هذه الشمس الروحانية ستمهد أرض قلوبكم، وحرارتها هي التي ستصعد بالبخار الذي سيتحول إلى سحب تمطر على أرض قلوبكم، وستغطي مياهه الدنيا كلها.