Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 140
الجزء الثامن ١٤٠ سورة النازعات ينحرفوا عنها ، وكأن فعل الخير هو لبن الأم بالنسبة إليهم، فكما أن الولد يرضع لبن أمه بسهولة ورغبة فلا يجد فيه مشقة، كذلك لن يرى هؤلاء في فعل الخيرات عبئا عليهم، بل سيقومون بها بشوق ونشاط. ثم يقول الله تعالى فَالسَّابقات سَبْقًا. . . أي بعد أن يجد هؤلاء نشاطًا طبيعيًا في فعل الخيرات سيتقدمون خطوة أخرى، فيتنافسون في الخيرات. بمعنى أنهم لن يكتفوا بفعل الخيرات بنشاط وعلى أحسن وجه بل سيتسابقون في مضمارها فيما بينهم. بعد أن يجد كل واحد منهم السخاء والعطاء عملاً سهلاً طبيعيًا، سيحاول أن يكون أكثرهم سخاء، بعد أن يسهل على كل واحد منهم أن يكون عفيفا، سيتحمس لأن يكون أكثرهم عفةً. أن وبعد يرى كل واحد منهم دماثة الأخلاق أمرا سهلا، سيسعى أن يكون أكثرهم دماثة. وبعد أن يسهل على كل منهم أن يكون رحيما، سيطمح أن يكون أكثرهم رحمةً. وهكذا سيبدأ سباق بينهم في مجال الخيرات، فيحاول كل واحد منهم أن يسبق الجميع. وعندما يبلغون هذا المقام يتحقق فيهم قوله تعالى فَالْمُدَبِّرَات أَمْرًا. . أي أن كل واحد منهم سيرى أنه المسؤول عن قومه فلا يقول إن هذه الخدمة وذلك العمل من مسؤولية فلان وفلان بل سيرى أنه هو المسؤول عن المجتمع كله. عندنا في الهند مثل شهير عن طير صغير جدا اسمه (پيا) - ويقال إن المثل عن طير صغير آخر اسمه (پدا) - هذا الطير ينام بالليل على ظهره رافعًا رجليه إلى السماء، فسئل مرة: لماذا تنام هكذا؟ فقال: إن الخلق جميعا ينامون ليلا، وليس هنا من يحمل السماء لو سقطت بالليل، فأنام بهذا الوضع لأحمي الدنيا لو سقطت السماء. إنه مثل مضحك في ظاهره ولكنه ينطبق على البشر فمن يبلغ درجة الكمال في الصلاح يتحمل مسؤولية العالم كله؛ إنه لا يفكر أن هذه هي مسؤولية فلان أو علان، بل يعتبر نفسه المسؤول الوحيد عن الجميع. وإذا تحلى أفراد قوم بهذه الميزة لم يهلكوا أبدا؛ فإذا نام أحدهم ظل الآخر ساهرا. من الطبيعي أن لا يخلد الناس جميعا إلى نوم الغفلة في وقت واحد بل سينام بعضهم ويظل بعضهم ساهرين، أي أن هناك من يحميهم وينقذهم من الدمار.