Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 7) — Page 177
١٧٦ سورة الشعراء الجزء السابع العقل والمنطق، والأخرى تعتمد على القوة والبطش. وقد اختلفت التعابير الآن باختلاف الزمان، حيث تُسمى اليوم الحكومة التي تعمل بالعقل والحكمة جمهورية، بينما تُسمى الحكومة التي تعمل معتمدة على القوة والبطش والعنف دكتاتورية، أو يطلقون عليها أحيانا "هتلرية". ومهما اختلفت الأسماء والتعابير فإن هاتين القوتين لا تزالان تعملان في الدنيا منذ زمن آدم إلى يومنا هذا. حيث يتضح من القرآن الكريم أن آدم كان له ابنان فقربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر. لقد قدّم أحدهما قربانه بإخلاص وتقوى فتُقبّل، ولكن الآخر قدم قربانا خاليا من الإخلاص والتقوى فرفض (المائدة:۲۸). وكان الطريق الحكيم السليم الذي كان أن يتبعه من رفض قربانه أن يتحلى بالتقوى والتواضع مدركًا أن الله تعالى هو الذي رفض قربانه وليس أخوه ولكنه حمل العصا وجاء إلى أخيه وقال لأقتلنك. أما أخوه فاتبع سبيل العقل والمنطق وقال له: إن الله هو الذي يقبل ينبغي القرابين من الناس، فإذا لم يقبله منك فلا ذنب لي في ذلك، فإنما أنا عبد متواضع. وهذه هي الفطرة الإنسانية منذ القدم، حين لم تكن هناك أية مصطلحات كالدكتاتورية والجمهورية، ولكن الروح التي تؤدي إليهما كانت موجودة. وهذان التياران المتوازيان مستمران منذ خلق آدم أو منذ خلق الكون. إذ وجدت في الدنيا طبقة من الناس لم تزل متمسكة بالحق والإنصاف، وطبقة أخرى تتباهى بقوتها ومنعتها ولا تبرح تعلن أنها ستفرض رأيها على الآخرين في كل حال، وإذا لم يتبع الناس رأيها فستُرغمهم على ذلك من خلال القوة التي تتمتع بها حكومتها وحزبها. وبما أن جماعات الأنبياء تكون صغيرة في بدايتها دائمًا ، بل تكون أحيانًا قليلة العدد لدرجة أن الرسول ﷺ قال: "إنه لم يؤمن ببعض الأنبياء إلا شخص واحد" (البخاري: كتاب الطب، باب من لم يرق)، ومن أجل ذلك يستهزئ بهم الجميع ويعتبرون دعواهم ضربا من الجنون. وإن غرور فرعون بقوته جعله يبعث المنادين إلى كل المدن ليحرّضوا الشعب ضد بني إسرائيل ويقولوا: كيف تجرؤ هذه الجماعة الصغيرة الحقيرة على إثارة غيظنا مع أننا نشكل الأكثرية الساحقة، ونملك العدة والعتاد