Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 616
الجزء السادس ٦١٤ سورة الفرقان ثم إن من الحكم وراء نزول القرآن الكريم بالتدريج أن نزوله بهذا الشكل يشكل دليلاً عظيمًا على صدقه، حيث إنه تحقيق لنبوءة لإشعياء النبي، إذ أنبأ بأن الوحي الذي ينزل على نبي آخر الزمان سينزل تدريجيا على شكل دفعات. فقد قال إشعياء النبي: "لمن يعلم معرفة، ولمن يفهم تعليمًا ؟ أللمفطومين عن اللبن، للمفصولين عن الثدي؟ لأنه أمر على أمر أمر على أمر ، فرضُ على فرض، فرض على فرض. هنا قليل وهناك قليل. إنه بشفة لكناء وبلسان آخر يكلّم هذا الشعب الذين قال لهم: هذه هي الراحة. أريحوا الرازح، وهذا هو السكون ولكن لم يشاؤوا أن يسمعوا. فكان لهم قول الرب أمرًا على أمر أمرًا على أمر فرضًا على فرض فرضًا على فرض. هنا قليلا هناك قليلا، لكي يذهبوا ويسقطوا إلى الوراء، وينكسروا ويُصادوا فيؤخذوا. " (إشعياء ۲۸: ۹-۱۳). هذه النبوءة تخبر أن كلام الله تعالى سينزل في زمن من الأيام إلى قوم محرومين من لبن الوحي. وبالفعل قد بعث الرسول الله حين انقضت على النبوة فترة طويلة وحين كان بنو إسرائيل أهلُ الكتاب قد أصبحوا محرومين من لبن الوحي. وقد أشار الله تعالى في القرآن الكريم إلى عطشهم الروحاني هذا فقال يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةِ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شيء قدير (المائدة: ٢٠). . أي يا أهل الكتاب قد أتاكم رسولنا الذي يبيّن لكم أحكامنا بعد انقطاع طويل للرسل، كي لا تقولوا إنه لم يأت إلينا بشير ولا نذير. ثم بين إشعياء النبي في نبوءته أن الوحي الذي سينزل على ذلك النبي لن ينزل دفعة واحدة، ولا في مدينة أو قرية واحدة، بل سينزل حكم بعد حكم وقانون بعد قانون على فترات وفي أماكن مختلفة. وقد نزل القرآن الكريم هكذا بالضبط. فقد نزل بعضه في مكة، وبعضه في المدينة، وبعضه في السفر، وبعضه في الحضر؛ حتى إن الأعداء أنفسهم قد اعترضوا قائلين: لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةً؟