Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 202
الجزء السادس ۲۰۲ سورة المؤمنون رسول الله، وتود أن تعرف رأينا؟ قال النبي ، نعم. قال الأنصاري، يا رسول الله، لما زرناك في مكة وبايعنا على يدك، رجوناك أن تهاجر إلينا في المدينة. فقبلت التماسنا وحضرت عندنا. وقد عاهدناك عندها أنه إذا ما هاجم العدو المدينة فسنحميك بأموالنا وأنفسنا، أما إذا خرجت لقتال العدو خارج المدينة فلسنا ملزمين بالخروج معك للقتال. وبما أن القتال يتم الآن خارج المدينة فلعلك تشير بقولك هذا إلى تلك المعاهدة وتود أن تعرف رأينا فيما عاهدناك عليه من قبل؟ فقال النبي : نعم، هذا هو قصدي. فقال الأنصاري، يا رسول الله، لم نكن وقت الاتفاقية مطلعين على علو شأنك كما ينبغي. أما الآن فقد انكشفت علينا مكانتك العالية، وعرفنا علوّ شأنك وسموّ مقامك وعظيم جاهك وجلالك. فدَعك المعاهدة. والله، لو أمرتنا لخضنا هذا البحر الذي أمامنا. ووالله، لو وقع القتال، فسنحارب عن يمينك وعن شمالك أمامك ومن ورائك، ولن يخلص إليك ومن من تلك العدو إلا على جثثنا الهامدة السيرة النبوية لابن هشام الجزء الثاني: غزوة بدر الكبرى). هذا هو الإخلاص الرائع الذي أبداه الأنصار، وهذه هي روح الفدائية التي تحلوا بها. أما وكيف رضوا بأن تُقطع رقابهم في سبيل الإسلام كما تقطع رؤوس المعز والخراف، فهو أمر مكتوب بأحرف من النور في صفحات التاريخ، بل هو محفور على ألواح القلوب بحيث لن تنسى الأجيال القادمة تضحياتهم العظيمة إلى يوم القيامة. قارنوا هذا الحادث بالجواب الذي تلقاه موسى العلي من قبل أصحابه، لتعرفوا ما أتت به القوة القدسية لرسول الله له من ثمار عظيمة. فإن موسى العلي لما قال لقومه يا قوم هيا بنا نشنّ الهجوم على أهل أرض كنعان المقدسة، قالوا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتلا إِنَّا ههنا قاعدُونَ ﴾ (المائدة : (٢٥). أما الأنصار فلم يقولوا للنبي ﷺ سندافع عنك داخل المدينة وفقًا للمعاهدة، ولن ندافع عنك خارجها. كلا، بل ألقوا بأنفسهم في نيران التضحيات بلا هوادة، وفازوا بقرب الله تعالى سابحين في أنهار الدماء. هذه هي الأوراق الزيتونية التي نالها محمد رسول الله ﷺ لتتم المماثلة بينه وبين نوح ، والتي قد نبأه الله بها في قوله تعالى إن في ذلكَ لآيات، حيث أخبر الله تعالى أننا لا نحكي قصة نوح كأسطورة، بل إنها تتضمن