Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 559
سورة طه الجزء الخامس التفسير: لقد بين الله تعالى هنا أن للمنكرين عذابين: عذاب في الدنيا، وهو العيش المؤلم، وعذاب في الآخرة وهو أنهم يُحشرون يوم القيامة عميانا حتى يصرخ " كل واحد منهم ويقول يا رب كنت في الدنيا ذا بصيرة وفهم، فلم حشرتني الآن أعمى. فيرد الله عليه ويقول لقد كنتَ في الدنيا تعامل آياتي معاملة العميان، وكنت تتناساها، فكذلك اليوم قد صرت نسيًا منسيا. وكل من لم يؤمن بآيات ربه وتجاوز الحدود فنجزيه هذا الجزاء. أما عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى من الحشر أعمى. ثمة إشكال في مفهوم هذه الآية يجب إزالته. وذلك أن هذا الكافر يقول هنا حشَرتَني أعمى وقد كنتُ بصيرًا، والله تعالى أيضًا يقول ونحشره يوم القيامة أعمى، وهذا يعني أن الكافر والله تعالى كلاهما يتحدثان عن عذاب الآخرة، لا عن عذاب الدنيا؛ ولكن الله تعالى يقول بعد ذلك ولعذاب الآخرة أشدُّ وأبقى)، فالكلام لا يبدو منسجما حيث يقول المرء في حيرة ما دام العذاب الأول هو عذاب الآخرة فلم قال الله تعالى بعد ذلك ثانية ولعذاب الآخرة أشدُّ وأبقى؟ وما هذا العذاب الأخروي الذي هو أشد وأبقى من العذاب الأول؟ والجواب أنه يتضح من القرآن والحديث أن "يوم الآخرة" فترة طويلة من الزمان يمر بها الكفار بأحوال شتى. قال الله تعالى في القرآن الكريم ولقد جثتمونا فُرادى كما خلقناكم أوّل مرة وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطَّعَ بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون (الأنعام: ٩٥). لقد تبين من هذه الآية أنه سيأتي في يوم الآخرة وقت تنقطع فيه كل صلة بين الكفار وآلهتهم تماما، وأنهم سينسون دعوى الشرك كلية. . بمعنى أنهم في الدنيا كانوا يصرون على ادعائهم بأن الأصنام التي يعبدونها هي شركاء مع الله تعالى حقا، وأنهم صادقون في دعواهم هذا، أي أنهم مقتنعون تماما من صدق دينهم؛ ولكن سيأتي عليهم يوم القيامة وقت ينسون فيه كل دعاويهم، وتغيب عن أذهانهم الأصنام التي كانوا يعبدونها وينكرون ألوهيتها وعندها سيقارنون بين حياتهم