Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 175
الجزء الخامس ۱۷۵ سورة مريم فاتضح من هذه الفقرات أن القيام ببعض الحسنات قد جعل علامة ظاهرة على تحقق بعض الأنباء عند بني إسرائيل. وعلى هذا النحو نفسه دعا زكريا ربَّه فقال: ربِّ اجْعَلْ لي آيةً. . أي مُرْني بشيء أعمله حتى يصبح وعدك أمرا مفعولاً. ذلك أن العبد إذا وفي بوعده أنجز الله وعده حتمًا كما وعد تماما، و لم يبدله بشكل آخر. ثم تقول الآية: قال آيتك ألا تكلّم الناس ثلاث ليال سويا. . أي قال الله تعالى إني آمرك، كعلامة على شكرك لي أن لا تكلّم الناس ثلاث ليال وأنت سليم معافى لا مرض بك ولا عيب وذلك لكي تتمكن من التركيز على ذكر الله في هذه الأيام خاصة. وجدير بالملاحظة هنا أن الله تعالى لا يقول "آيتك ألا تكلم"، وإنما يقول آيتك ألا تكلّم الناس. ذلك أن الإنسان الحائز على الكمال الروحاني لا يكلم الناس فحسب، بل يكلم الله أيضًا. فترى كيف تكلّم زكريا مع ربه كلاما طويلاً إذ قال: رَبِّ إِني وَهَنَ العظمُ مني واشتعل الرأسُ شَيئًا و لم أكن بدعائك رَبِّ شقيًّا * وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهَبْ لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رَبِّ رضيًّا )). فهذا الكلام كله لم يكن مع بشر، بل مع الله تعالى. ثم إن عباد الله الأخيار يتكلمون أحيانًا مع الملائكة أيضا. فكلمة الناس الواردة هنا قد استثنت الكلام الذي يتم مع الله تعالى والملائكة، مؤكدة أن الله تعالى إنما أمر زكريا بصوم السكوت فقط لكي يركز في هذه الأيام على ذكر الله تركيزا خاصا، وليس المراد أن الله تعالى سلبه قوة النطق تماما. لو كان الأمر هكذا لقال الله تعالى "آيتك ألا تكلّم" بدلاً من أن يقول آيتك ألا تكلّم الناس. . أي عليك أن تفرض على نفسك ألا تكلّم الناس في هذه الأيام رغم كونك سليمًا معافى قادرًا على الكلام. لقد اشترط الله تعالى هنا إنجاز وعده بأمر من أوامره، والحكمة في ذلك أن العبد لو نفذ أمر الله تعالى فلا بد أن يتحقق ذلك الوعد ولا يلغى أبدا.