Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 3
سورة مريم الجزء الخامس هذه شهادة من الناحية الدينية. أما الشهادة التاريخية على كون هذه السورة قد نزلت لدى فجر الإسلام فهي كالآتي. النبي لما اشتدت المعارضة، وسعى الأعداء لقمع الإسلام بكل ما أوتوا من قوة، دعا أصحابه وأمرهم بالهجرة من مكة. فقال الصحابة: يا رسول الله، هل ستهاجر أنت معنا؟ فقال: لا، بل أنتظر حتى أتلقى من الله أمرًا واضحا. أما أنتم فأود أن تهاجروا بسبب ما تلقونه من اضطهاد وأذى. قالوا: يا رسول الله، ما هو البلد الذي ترى أن نهاجر إليه حتى ننعم فيه بالأمن؟ فأشار بيده إلى جهة الغرب وقال: هنالك بلد فيها ملك لا يُظلم عنده أحد. اذهبوا إليه وستجدون عنده الأمن. وكان يقصد بلاد الحبشة. فقامت جماعة من الصحابة وجهزوا أنفسهم للهجرة إلى ذلك البلد. وكان جعفر بن أبي طالب، شقيق علي وابن عم الرسول ، من بين هؤلاء المهاجرين ولما هاجروا إلى الحبشة فرح الكفار في أول الأمر وقالوا في أنفسهم: ها قد نجحنا في طرد هذه الشرذمة المسلمة من بيننا، ولكنهم لما رأوا أن النبي وأبا بكر وعليا وعثمان وغيرهم من الشباب المسلمين المنحدرين من الأسر الكبيرة لا يزالون يعيشون في مكة، وأن دعوة أهلها إلى الإسلام لا تزال مستمرة بكل حماس كالمعتاد، قالوا في أنفسهم: إن خروج جماعة من المسلمين من مكة لا يمكن أن يُعَد نجاحًا على الإطلاق، بل هو دليل على هزيمتنا، إذ صار بذلك مركزان للإسلام، وأصبحت دعوته تنتشر بين أمتين بين أهل مكة والمسيحيين، بينما كانت منحصرة من قبل في مكة فقط. كما بلغهم أن المسلمين ينعمون في الحبشة بأمن وراحة، فلا يعتدي عليهم الآن أحد ولا يضربهم ولا يؤذيهم، بل يعبدون الله ويذكرونه بحرية، ويكسبون قوتهم في راحة. فتشاور الكفار وقالوا: لقد أخطأنا خطأ فادحا إذ شددنا على المسلمين ففروا من بيننا ولو أنهم أقاموا في أرضنا لقضينا عليهم وقتما شئنا، ولكنهم قد هاجروا الآن إلى بلد آخر، وانفلتوا من أيدينا، وقد ازدادوا قوة بدلاً من أن يضعفوا إذ قد تيسر لهم مركز سينشرون منه الدعاية ضدنا بيسر وسهولة، كما سيحرضون علينا الدولة المجاورة لنا. فقرروا إرسال وفد إلى الحبشة مع رسالة منهم إلى ملكها