Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 2) — Page 451
الجزء الثاني ٤٥١ سورة البقرة الهدى. أنت تبحث عني في هذه الخلوة في غار حراء. . ولكنك ستجدني في أزقــــة مكة بين شغب الناس وضجيجهم. اذهب وبلغ قومك بأنني ما خلقتكم في هذه الدنيا في حالة أدنى ثم منها ربيتكم ورقّيتكم. . لتأكلوا وتشربوا وتموتوا بــدون أن تُسألوا عما فعلتم. عندما تلقى هذا الصوت أخذته الدهشة، فقال لجبريل في حيرة: ما أنــا بقـــارئ (البخاري الوحي). . أي أنني أستغرب هذه الرسالة. هل تليق هذه الكلمات مـــــن فمي أمام أهل مكة؟ هل يُعير قومي أذنا صاغية لهذه الرسالة ويقبلونها؟ ولكــــــن الله أمره باستمرار : اذهب واقرأ هذه الرسالة على الناس. عندئذ - تلبية لهذا الصوت وامتثالا لهذا الأمر - خرج النبي له الا الله من هذه العزلة واختار الجلوة وبرز لمحافل الناس. و لم تكن هذه المحافل بالنسبة إليه مكانا يجد فيه الإنسان صديقا يبث إليه شكواه، أو يسمع منه ما يفرحه ويسره أو تزول فيه متاعبه النفسية ولم تكن بالنسبة إليه مجالس للقصص والأساطير ، والشعر، أو مجالس يتجاذب فيها الناس أطراف الحديث في المناظرات والمباحثات. . وإنما كانت ندوات يُبدي فيها النبي ﷺ حبه وإخلاصـــــه للطرف المقابل. . ويتلقى منه السباب والشتائم والتهديد والتخوف دائما. كانت ندوات لو زارها الإنسان مرة لم يبق في قلبه رغبة لزيارتها بعد ذلك. كان يتلقى من السباب والوعيد ما يجعلهم يظنون أنه لو كان عنده أدنى حس وشعور فلن يكـــــرر حديثه لهم غدا. كانوا يفرحون أنهم أسكتوا محمدا ،اليوم، ولكن عند طلوع شمــــ يوم جديد كان هذا العاشق الصادق الله يخرج مرة أخرى لتبليغ رسالة ربه لأهـــــل مكة، ومرة أخرى يتلقى نفس السباب والوعيد والتخويف إلى أن يحل المساء. وعندما يحول حاجز الليل بينهم وبينه كانوا يرجون أن يكون قد آثر السكوت وقرر الصمت من اليوم. ولكن كيف يمكن لمن كان نداء الله يدوي في آذانه أن يرتعب منهم فيسكت؟ لو كان يقضي ليله نائما لنسي هذه الرسالة، ولكن من نومه كيقظته كيف ينساها؟ إن الدرس الذي لا يعاد ولا يراجع يمكن نسيانه، ولكنه كان بمجرد أن يأوي إلى فراشه يسمع نداء (اقرأ) فكيف يمكن والحال هذه أن ينسى الرسالة؟