Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 112
والذين يسارعون إلى الطعن في القرآن مع جهلهم الفاضح باللغة العربية، يفسرون عبارة لا فيه على أنها تعبير عن القلق الذي شعر به الرسول ﷺ لما في القرآن من ريبة، وأنه ينفي عن نفسه الريب لإحساسه بما فيه من ريب (القسيس) ،ويري نقلا عن الترجمة الرومية (للقرآن). وهذا الاعتراض يكشف عن سخف ساذج للمعترض الذي ينسى أو يتناسى أن سورة البقرة ليست أول الوحي، وإنما نزلت بالمدينة المنورة بعد أكثر من ثلاث عشرة سنة تتابع فيها نزول القرآن وأبدى الكفار في هذه الفترة كثيرا من الشبهات وحُقَّ للقرآن أن يرد التهمة بعد أن تلقى الطعن والتجديف مدة طويلة من الزمن. وهل من الخطأ أن يرد الكتاب عن نفسه التهمة بعد أن سددت إليه؟ وهل يقول أي عاقل بأن رد التهمة إحساس بالذنب؟ أنها تهمة خرقاء، لا يتمسك بها إلا حاقد متعصب، يتعامى عن الحقائق الناصعة. من أمثال صاحب الترجمة الرومية للقرآن والقسيس ويري whery ، الذي يصدقه فيما ذهب إليه. ومن المؤسف أن القسيسين لم يتعمقا في دراسة كتبهما المقدسة؛ إذ لو درساها حقا لما تجرأ على الاعتراض على القرآن، لأنهما بهذا يعرضان كتبهما للطعن والتجريح. . إذ إن الأسلوب الذي يعترضان عليه نفسه يتكرر فيها، ونسوق بعض هذه العبارات: "كل كلمات فمي بالحق، ليس فيها عوج ولا التواء" (أمثال : ٨). أنا الرب المتكلم بالصدق مخبر "بالاستقامة" (إشعياء ٤٥ : ١٩). "هذا حق وجدير بالقبول صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول رسالة بوليس الأول ٤ : ٩) يتضح من هذا أن الكتاب المقدس (العهد القديم والجديد) قد اختار أسلوبا مماثلا لأسلوب القرآن. فمؤلفو العهدين إذن أولى بالتشكك! والحق أن هذه الشبهة لا تصح في القرآن أو الكتاب المقدس، لأن دفع الاتهام لا يدل على الشك، وإنما يؤدي إلى اليقين والتأكد من صدق الدعوة. والرأي عندي انه لا مجال للشك في الوحي السماوي إذا بدأ بهذا الأسلوب، لأن الإنسان لا يعرف بما سيلقاه قوله من رفض أو قبول. ولكن الله تبارك وتعالى عليم بما سيكون عليه موقف الناس من الكتاب، ولذلك يناسب المقام نفي الريب عنه، ومثل هذا الفعل يقوم دليلا على علمه تعالى بالغيب. ولما كان الريب يدل على الشك القائم على سوء الظن فقوله : لا ريب فيه يشير إلى أن القرآن لا يحتوي شيئا تتكون عناصره من سوء الظن والعناد للحق، بل كل ما فيه يقيني محقق وليس ظنيا ملفقا. وليس مثل هذا التحدي بالأمر البسيط، بل إنه من أعظم الآيات على صدق القرآن المجيد. ونقول على وجه الإجمال أن القرآن لم يأت بعقيدة إلا وعززها بالشواهد، وتفصيل ذلك يأتي إن شاء الله في مواضعه عند تفسير الآيات.