Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 314
الجزء العاشر ٣١٤ سورة الكوثر خاص، فاتبع هنا أسلوبًا يطمئن به كل هؤلاء الناس ذوي الميول المختلفة؛ فأمـــا الذين يؤمنون بالله تعالى وبأن الافتراء عليه إثم عظيم، ولا يفتري عليه مــــن عنــــده صلاح وحياء، فقد نبههم الله تعالى هنا بأنكم ترون أن محمدا يقوم بهذه الدعوى مستشهدًا بالله تعالى؛ أما الذين هُمْ أكثر تمسكًا بالأدلة الأخلاقية بدلاً من الله تعالى، فضم من أجل اطمئنانهم الملائكة مع اسمه تعالى، فنبههم أن صوت ضميرهم الذي تحركه الملائكة يؤيد دعوى محمد ، أما الذين ينكرون الله تعالى والملائكة فــضـم من أجل اطمئنانهم النواميس الطبيعية، ليبين أنها هي الأخرى تؤكد أن محمدا سينال بركات كثيرة. إذن، فتأكيدًا على تحقق وعده هذا قد ذكر الله تعالى هؤلاء الشهود الثلاثة معًا، ولذلك استعمل صيغة الجمع إنا بدل "إني". وهنا ينشأ سؤال آخر وهو: إذا كان هذا الوعد سيتحقق مستقبلاً، فما هو الأمر الجديد الذي تولد بذكر هؤلاء الشهود الثلاثة والذي يُقنع المنكر ولو إلى حد ما- بأن هذا الوعد سيتحقق حتمًا؟ الجواب: هو أنني قد قلت آنفًا بأن الإنسان الصالح غير المخادع، والعاقــــل غــــير المجنون، والقانع غير الطامع، والمنطقي الذي لا يؤمن بعقيدة غير منطقية؛ هذا الإنسان إذا أعلن دعواه في كامل عقله ووعيه بأن الله تعالى هو الذي قد أمره بهذا، فقوله هذا يكفي دليلا عظيما على صدق دعواه لمن كان يؤمن بالله تعالى؛ فإن أبا بكر وخديجة وعليًّا وزيدًا -رضوان الله عليهم أجمعين قد آمنوا بالرسول ﷺ بمجرد سماع دعواه دون أن يطالبوه بأي دليل بل كان هناك آخرون أيضًا ممن انتفعوا بهذا الدليل وحده، فمثلا؛ جاء إلى النبي في المدينة أعرابي من أصحاب الطبائع السليمة بعــــد سماع دعواه وقال له : هل تستطيع أن تقسم بالله تعالى بأنه هو الذي بعثك؟ فقال : نعم، أقسم بالله العظيم أنه هو الذي بعثني، فما لبث الأعرابي أن آمن. إذن، فإذا كان هناك شخص بهذه الخصال المذكورة أعلاه، وادعى بأنه من عند الله تعالى، أو قال بأن الله قد وعدني بكذا، فهذا الدليل وحده يكفي المؤمن بالدين لمعرفة صـــدقه؛ لأن فطرته السليمة ترفض أن يقوم شخص موصوف بهذه الخصال بدعوى كاذبة أو خاطئة. وكما قلت من قبل كان هذا الدليل متوفرا للنبي.