كتاب البراءة — Page 83
۸۳ تفصيل، وفي آية أخرى عبارة إجمالية جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، فحين نتدبر يتبين لنا أن هذه العبارة الإجمالية جاءت توسيعا للقانون، لأن في بعض الأوضاع لا ينطبق هذا القانون، فمثلا إذا كسر سنَّ أحدٍ من هو أَدْرَد وقــــد سقطت أسنانه بسبب الشيخوخة أو بسبب آخر، فلا نستطيع أن نعاقبه بكسر سنه لأن فمه يخلو من الأسنان. وكذلك إذا فقأ أعمى عين أحد فلا نستطيع أن نفقأ عينه إذ لا يملك عينين أصلا، وملخص القول إن القرآن الكريم قد بين مثل هذه القواعد العامة لإدراج مثل هذه الأوضاع ضمن الأوامر، فلا يمكن الاعتراض على أحكامه وقوانينه، فلم يقل هذا فحسب بل قد حث كل واحد على الاجتهاد والاستخراج والاستنباط من هذه القواعد العامة. لكن المؤسف أن هذا الحث وهذا الأسلوب للتعليم لا يوجد في التوراة. أما الإنجيل فمحروم هذا التعليم الكامل، وإنما تناول بعض الأخلاق فقط، وهي أيضا ليست منتظمة في سلك أي قانون أو قاعدة. ولا يغيبن عن البال أن بيان النصارى بأن الإنجيل ترك الأمور المتعلقة بالقوانين لفهم الناس، ليس مدعاة للفخر، بل هو سبب الإحراج والخجل. لأن كل أمر لا يُذكر في صورة القانون الشامل والقواعد المرتبة المنظمة فهو - مهما كان جيدا وصالحا بمفهومه - يصير قبيحا جدًّا ومكروها لسوء استخدامه. وقــــد كتبنا مراراً أن الإنجيل يضم شيئا من تعليم الأخلاق، وهو مقتبس من التوراة والتلمود إلا أنه فوضوي ومبعثر. والأسف كل الأسف أنه لو كان منظما بقانون لكان نافعًا جدا، إلا أنه في وضعه الحالي مكروه جدا في نظر الحكماء. وكل هذا النقص ناتج عن ترك القانون أي ترك النظام وترتيب القواعد. فمن الغباء الفاحش الفكرة بأن يعدّ الدين منحصرا في أمور سخيفة وردت في تماما من الشورى: ٤١