ينبوع المعرفة — Page 138
ربكم فاعبدوني جميعا. . . إن مثل هذه الوحدة التدريجية كمثل أمر الله تعالى أن يجتمع الناس في مسجد الحي خمس مرات يوميا، ثم أمرهم أن يجتمعوا جميعا في اليوم السابع في مسجد جامع في مدينتهم، أي في مسجد يتسع للجميع. ثم أمر أن يجتمعوا من المدينة كلها والقرى المجاورة في مقام واحد أي في مصلى العيد بعد عام. ثم أمرهم أن يجتمعوا من العالم كله مرة في حياتهم في مقام واحد أي في مكة المعظمة. فكما أن الله تعالى بلغ اجتماع الأمة تدريجا إلى الكمال بمناسبة الحج إذ حدَّد اجتماعات صغيرة أولا ثم هيأ للعالم كله فرصة للاجتماع في مقام واحد، كذلك هي سنة الله في الكتب الموحى بها أيضا. فقد أراد تعالى من وراء ذلك أن يبلغ دائرة وحدانية الله إلى الكمال، وذلك بخلق الوحدة في أجزاء صغيرة من بلاد مختلفة أولا ثم يجمع الجميع في نهاية أي المطاف في مقام واحد مثل اجتماع الحج، كما جاء الوعد في القرآن: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا الله وعل الناس السعداء بندائه في الزمن الأخير على دين واحد كما كانوا في البداية لكي تتحقق العلاقة بين الأول والأخير. سيجمع باختصار، كان الناس في البداية كأمة واحدة فقط ثم حين انتشروا في الأرض كلها قسمهم الله إلى أمم مختلفة لسهولة التعارف بينهم، وقرر لكل أمة مذهبا يناسبهم، حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ثم يقول: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الكهف : ١٠ ٢ الحجرات: ١٤