البراهين الأحمديّة الجزء الخامس — Page 220
البراهين الأحمدية (۲۲۰) الجزء الخامس تتوقف حياته على تناوله ويكون الا الله للمؤمن كالماء الذي بشربه ينجو من الموت. وتكون ذات الله نَسيمه العليل الذي يبعث الراحة في قلبه. وليس في غير محله القولُ على سبيل الاستعارة في هذا المقام بأن الله يحلّ في المؤمن الحائز على هذه المرتبة ويجري في عروقه وفي كل ذرة من كيانه، ويتخذ قلبه عرشا له. فلا يبصر ذلك المؤمن عندئذ بروحه بل بروح الله، ويسمع بروح الله، ويتكلم بروح الله، ويصول على الأعداء بروح ه، ويمشي بروح يكون في هذه المرتبة في مقام الفناء ،والمحويّة، فتتجلى على قلبه روح الذاتي، وتهبه حياة جديدة، فتنطبق عليه عندئذ الآية الكريمة: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، روحانيا. الله ، الله، لأنه الله بحبه فهذه هي المرتبة السادسة للوجود الروحاني التي سبق ذكرها. وتقابلها المرتبة السادسة للولادة المادية. وتشير إلى هذه المرتبة المادية أيضا الآية الكريمة نفسها المذكورة آنفا عن المرتبة الروحانية :أي: ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). ومعناها: لمّا أتممنا خلقًا خلقنا الإنسان خلقا آخر. وقد أريد التوضيح بلفظ آخر أنه خلق يفوق الفهم ولا يسع عقل الإنسان إدراكه، وهو بعيد جدا عن مداركه؛ بمعنى أن الروح التي تنفخ في الجسم بعد تكوين القالب قد نفخناها في الإنسان من حيث الروحانية والمادية، وهي مجهولة الكنه لدرجة حارت في ماهيتها عقول الفلاسفة والمقلدين كلهم من هذا العالم المادي. ولمّا لم يجدوا طريقا إلى حقيقتها لجأ كل واحد منهم التخمين والتخريص فأنكر بعضهم وجود الروح أصلا، وحسبها بعضهم الآخرون أزلية غير مخلوقة. فيقول الله تعالى هنا بأن "الروح" أيضا ولكنها تفوق فهم أهل الدنيا. فكما جهل فلاسفة هذا العالم كنه الروح التي في الإنسان الحائز على المرتبة السادسة للوجود المادي، كذلك ظلوا ينفخها الله من إلى خلقه