بركات الدعاء — Page 30
يخلو منها بالفعل، فنقصد من هذا القول أنه عندما يريد الله استخدام الماء مكان النار أو العكس سيفعل ذلك بالحكمة التي تحكم كل ذرة في العالم سواء أأدركناها أم لم ندركها. والمعلوم أن العمل المبني على الحكمة لا يضيّع العلوم بل يؤدي إلى تطويرها. انظروا مثلا إلى صناعة الثلج الاصطناعي أو الضوء من الكهرباء فهل يُرفع بهما الأمان أو تضيع العلوم؟ هنا يجدر الانتباه إلى سرّ آخر أيضا وهو أن الخوارق التي تظهر على أيدي الأولياء أحيانا كأن لا يُغرقهم الماء أو لا تضرهم النار، فالسر في ذلك أن الله الحكيم القدير - الذي لا يمكن للإنسان أن يحيط بأسراره اللامتناهية- يُري أحيانا تجلّي قدرته عند تركيز أوليائه وأحبائه ومقربيه فيتصرف تركيزهم في العالم. فالأسباب الخفية التي يمكن أن يؤدي اجتماعها إلى منع حرارة النار من تأثيرها، سواء أكانت تلك الأسباب تتمثل في تأثيرات الأجرام العليا أو تكون هناك مثلا خاصية كامنة للنار نفسها أو ميزة مكنونة في جسد الإنسان أو تكون مجموعة من تلك الخواص؛ فتتنشط تلك الأسباب نتيجة ذلك التركيز والدعاء، فيبدو للعيان أمر خارق للعادة ولكن هذا لا يؤدي إلى رفع الثقة عن خصائص الأشياء ولا يسفر عن ضياع العلوم بل الحق أن ذلك علم بحد ذاته من جملة العلوم الإلهية، فهو في محله. فمثلا إن امتلاك النار صفة الإحراق بحد ذاتها في محله تماما. بل قولوا إن شئتم إنها مواد روحانية تتغلب على النار وتظهر تأثيرها وهي بوقتها وبمحلها. إن عقل الدنيا المادية لا يقدر على استيعاب حقيقة أن الإنسان الكامل يكون مهبطًا لتجلّي روح الله. وعندما يأتي على الإنسان الكامل وقت ذلك التجلي تماما يخشاه كل شيء كخشية الله. فألقوه عندئذ إن شئتم أمام وحش كاسر أو في النار فلن يصاب بضرر، لأن روح خاصة الله تعالى حينئذ تكون غالبة عليه. وقد عاهد كل شيء أن يخشاه إن هذا آخر أسرار المعرفة الإلهية الذي لا يمكن استيعابه بدون صحبة الكاملين وحيث إنها ظاهرة دقيقة المأخذ ونادرة الوقوع فليس كل فَهم مطلعا على هذه الحكمة. ولكن تذكروا أن كل شيء يلبي نداء الله تعالى، وكل شيء تحت تصرف الله تعالى، وخيوط كل شيء مطوية بيد الله. إن حكمته لا تعرف الحدود، وتبلغ كنه كل ذرة، وفي كل شيء خواص بقدر قدرات الله تعالى. ومن لا يؤمن بذلك فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ (الأنعام: (۹۲). ولأن الإنسان الكامل يكون أَتَمَّ مَظْهَر للعالم كله، لذا ينجذب إليه العالم كله بين فينة وفينة. إنه عنكبوت العالم الروحاني، والعالم كله خيوطه. وهذا هو سر الخوارق.