عاقبة آتهم — Page 152
١٥٢ عاقبة أنهم تكلموا في الأجداث، وبعثوا بعد ما سُمِعَ نَعيهم بنوازل الانبثاث، أو كالف يُفقد، ويُسترجع له بعد مناحة تعقد، فخرجت الآن كنعش الميت، أو الغلام الفار من البيت، أو النسيب المهجور من الأقارب، أو الابن الغائب الهارب. فمنها لفظ ما رأى انثلامَ حَبّة، وقفَل كما سافر بسلامة وصحة. ومنها ما رأى أثر الاستلام حتى بلغ إلى الاخترام وبكت عليه ورثاؤه كالنوادب، بعد ما كان كأرباب المآدب، وصار كالجنائز بعد ما كان من أهل الجوائز. وما هذا من الدعاوي التي لا دليل عليها، ولا من الأمور التي لا يوجد الحق لديها، بل عندنا ذخيرة من هذه النظائر، ووجوه شافية للمرتاب الحائر. والذين مارسوا اللغات وفتشوها، واطلعوا على عجائب العربية وشاهدوها، فأولئك يعلمون بعلم اليقين، ويستيقنون كعارف الحق المبين، أن العربية متفردة في صفاتها، وكاملة في مفرداتها، ومعجبة بحسن مركباتها، ولا يبلغها لسان من السن الأرضين. وأما اليونانية والعبرانية والهندية وغيرها، فتجد أكثر ألفاظها من قبيل البري والنحت، وشتّان ما بينها وبين المفرد البحت. وذاك يدلّ على أن تلك الألسنة ليست من حضرة العزة، ولا من زمان بدء البرية، بل تشهد الفراسة الصحيحة، ويُفتي القلب والقريحة، أنها نُحتت عند هجوم الضرورات، وصيغت عند فقدان المفردات، وسُرقت مفرداتها من العربية بأنواع الخيانات، ففكّر من إن كنت الطالبين. وهذا أمر ثبت بدلائل واضحة، وبراهين ساطعة، وعندنا ذخيرة عظيمة من مفردات إنكليزية، وجرمنية، ولاطينية، وروسية، ويونانية، وهندية، وصينية، وفارسية، وألسن أخرى من ديار بعيدة وقريبة، وقد أثبتنا أنها حُرّفَت من كلم عربية مطهَّرة، لو رأيتَها لَمُلئت خوفًا ورعبًا، ولأقررت بصدق كلامنا كالتائبين الراجعين. وقلت سبحان الذي جعل العربية أُمَّ الألسنة، كما جعل مكةَ أُمَّ القرى، وجعل رسولنا أُميًّا لهذه الإشارة، وجعلها خاتم ألسن العالمين، كما جعل رسولنا خاتم النبيين، وجعل القرآن أُمَّ الكتب، وجعله صُحُفاً مطهَّرةً فيها كتب الأولين والآخرين. هو ثم سأل المعترض المذكور عن وجه تسمية بعض أسماء يحسبها جامدة. فاعلم أنها وكذلك أسماء أخرى ليست جامدة حقيقة، بل ظن الذين ما تدبّروا حق التدبر، واتبعوا روايات مسموعة، وحرموا على أنفسهم أن يتعمقوا كالمحققين. ألا يعلمون أن الله علم آدم الأسماء ليكمله علما وحكمة؟ فما ظنهم. . أَعَلّمه أسماء مُهملة؟ أيعزون إلى الله لغوا خاليًا عن المعنى المكنون، ويجعلونه واضعَ لغو؟ سبحانه وتعالى عما يظنون ألا يعلمون أن الغرض من تعليم الأسماء كان إفادة، والمهمل لا يزيد معرفة ولا بصيرة، ويعلم كلُّ من له حظ الدهاء أن عدم من