مرآة كمالات الاسلام — Page 483
٤٨٣ مرآة كمالات الإسلام الفهم، لأننا كتبنا قبل قليل بأنه من الثابت المتحقق أن الأجرام العلوية والعناصر وكائنات الجوّ التي جعلت خادمة لبقائنا وحياتنا ومعيشتنا لا تملك علما ولا شعورا ولا إرادة، فمن المحال بالبداهة أن تتحقق لنا من تغيّراتها وأحداثها فقط تلك الأعمالُ والأهداف والمقاصد التي لا تصدر إلا عن تصرفات العقل والتعديل والتخطيط ومراعاة الحكمة فقط. والحق أن الله تعالى عندما يريد أن يستخدم شيئا وسيلةً لعمل ما، فإنه يزوّده بقوى تناسب جميع المصالح المتعلقة بذلك العمل؛ فمثلا من أفعاله المطر الذي نحتاجه لتحقيق شتى الأغراض، فينزّله تعالى أحيانا في وقت مناسب تماما بحسب أعمال عباده وينقذ أراضينا وصحتنا من أضرار إفراطه أو تفريطه، وأحيانا أخرى يريد تحذير الناس فيُمسك المطر عن بلد يشاؤه أو يجعل فيه إفراطا أو تفريطا. وتارة يريد أن يعاقب بعض الناس في بلد أو مدينة أو قرية أو قطعة أرض معينة فيحرمها من منفعة المطر كليا، وينشر السحاب في الجو بقدر ما يشاء لدرجة أن يهطل المطر على مزرعة ولا تسقط قطرة واحدة على مزرعة متصلة بها، فتبقى جافة ومحترقة في حر الشمس القوية. كذلك إن فساد الريح يجلب الوباء الشديد على مدينة أو ولاية أو حارة معينة، ويُنقذ الجانب الآخر كليا. فعلى هذا المنوال نرى آلاف الحكم الربانية الدقيقة التي لا نستطيع أن ننسبها قط إلى عناصر وأجرام لا تعقل، بل نعرف يقينا أن هذه الأعمال المليئة بالحكم لا يمكن أن تنجزها قط الأجرام والعناصر وكائنات الجوّ الأخرى التي لا حياة فيها ولا شعور. ولا شك أن الله تعالى قادر على أن يستخدم كل هذه الأشياء لإنجاز الأعمال المذكورة، ولكنه لو فعل ذلك لوهب أولا تلك الأشياء فهما وإدراكا وإحساسا وشعورا وعقلا لوضع الشيء في محله وما دام ذلك غير ثابت فثبت بالضرورة أن مع هذه الأشياء هناك في الخفاء أشياء أخرى أُعطيت عقلا لوضع الشيء في محله، وهي أعلم أن الذي يؤمن بالله تعالى ويعدُّه رحيما وكريما ومدبّرا وعادلا لن يقول بأن الملائكة بعينها.