ترياق القلوب — Page 329
۳۲۹ فمن منن أبي بكر على الأمة أنه فتح في زمن خلافته الراشدة باب الحق والصدق لتفادي الخطأ الذي كان محتمل الوقوع في مستقبل الأيام، ووضع سدا منيعا أمام سيل الضلال الله بحيث لا يمكن لمشايخ هذا العصر أن يهدموه ولو تحالف معهم الجن كلهم أيضا. ندعو تعالى أن يُنزل آلاف الرحمات على روح أبي بكر الذي حكم بموت المسيح اللي بتلقي الإلهام الطاهر من الله. أنه لو كان من في هذه الأدلة الثلاثة كفاية، غير أن هناك دليلا آخر أيضا يدعم تلك الأدلة الثلاثة، وهو سنة الله أن يبقى أحد في السماء إلى هذه المدة الطويلة ثم ينزل إلى الأرض، لكان لها نظير آخر أيضا لأن لكل فعل من أفعال الله نظيرا، لكيلا يُكلف الإنسان بما لا يطيق. فمثلا، خلق الله آدم من تراب، فنرى نظير ذلك أن هناك آلاف الحشرات التي تخلق من التراب باستمرار. ولكن القرآن الكريم لم يجعل لهذا النوع من الرفع والنزول نظيرا، غير أنه توجد في الكتب السابقة قصة مماثلة، وهي قصة عودة إيليا إلى الدنيا ثانية. ولكن المسيح الله بين بنفسه معنى العودة بأن المراد منها أن شخصا آخر سيأتي إلى الدنيا حاملا صفات إيليا وطبيعته. ومن الجهل اعتبار هذه القصة باطلة، لأن قومين مختلفين ومتعاديين بشدة يؤمنان بهذه القصة. ثم ما دامت القصة موجودة إلى الآن في سفر النبي ملاخي فأنى لها أن تكون باطلة؟ كيف يمكن أن يكون باطلا الأمر الذي ظل ملايين الناس والحزبان المتخالفان يؤمنون به، ولا يزال مذكورًا في كتبهم؟ وإلا فيرفع الأمان من التاريخ كله. أما إذا كان الاعتراض أن المسيح قال بأن النبي يحيى إيليا، بينما يحيى يرفض كونه إيليا، فالجواب على ذلك أنه لا تناقض بين القولين لأن المسيح اللي عد النبي يحيى هو إيليا من حيث صفاته وطبيعته وليس بالمعنى الحقيقي، أما النبي يحيى فقد رفض كونه إيليا بالمعنى هو الحرفي، أو أن تكون روح إيليا قد حلت به كما يقول المعتقدون بعقيدة التناسخ. إذا، فإن المسيح اللي اعتبر يحيى كإيليا على سبيل المجاز، أما يحيى فيرفض كونه إيليا بالمعنى الحرفي. فلما اختلف الجهات لم يبق التناقض، فتدبر. وإذا عُد ذلك تناقضا فلا بد من الإقرار بوجود تناقض في كلام الله أيضا، والعياذ بالله، لأن القرآن الكريم زاخر من ناحية بمفهوم أن من آمن واتَّقى ذكرا كان أم أنثى، أعمى كان أم بصيرا فله النجاة، ومن ناحية أخرى هناك آية تقول: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (البقرة : (۱۹) وتقول آية أخرى: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ (الإسراء: (۷۳). ويقول تعالى في القرآن الكريم: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ