ترياق القلوب — Page 326
٣٢٦ منه فقط فلا يمكن أن نعدّ صاحبه فصيحا وبليغا أبدا، بل لو أهمل أحد الترتيب كليا لكان مجنونا حتما، لأن صاحب الكلام غير المنسق تكون حواسه أيضا غير منسقة. * فكيف يمكن إذا أن يكون كلام الله المقدَّس والمعجز دونَ درجة الفصاحة المطلوبة، أو خاليا من الترتيب المحكم، وهو الذي يدعي الفصاحة والبلاغة ويدعو إلى كافة أنواع الصدق والحق؟ يقر الجميع بأن ترك الترتيب يجوز أحيانا، ولكن مما لا شك فيه أنه إذا كان هناك مثلا نوعان من الكلام وكان أحدهما يراعي الترتيب الظاهري بالإضافة إلى مراتب الفصاحة والبلاغة الأخرى، وكان الثاني دون هذه الدرجة من الفصاحة وتعوزه القدرة على مراعاة الترتيب؛ فإن الأديب والناقد وفصيح الكلام سيفضل كثيرا من حيث الفصاحة الكلام الذي يضم في طياته، بالإضافة إلى الفصاحة والبلاغة مزايا أخرى مثل الترتيب الظاهري. والقرآن الكريم خير شاهد على ذلك؛ إذ اهتم بهذا الأسلوب من بدايته إلى نهايته، ومع ذلك لم يدَع النظم البديع وسلاسة العبارات تفلت من يده. وهذه معجزة عظيمة للقرآن الكريم نقدمها أمام المعارضين وببركة هذا الفن البديع والترتيب المحكم تنكشف آلاف الدقائق القرآنية. وإذا قلتم بأننا نقبل وجود الترتيب ولكن لا نقبل أن "التوفي" يعني الموت، فسنردّ على ذلك بجوابين: الأول: لقد رُوي عن ابن عباس في صحيح البخاري: "متوفيك: مميتك". وبالإضافة إلى ذلك، فكل من يتعمق في جميع الأحاديث والقرآن الكريم ويتأمل في كتب اللغة والأدب، لن يخفى عليه أنه إذا كان الله هو الفاعل لفعل "توفّى" وكان الإنسان مفعولا به، لم يُستخدم في اللغة العربية منذ القدم إلا بمعنى الموت. ولو أنكر أحد هذا الأصل فعليه أن يثبت لنا من القرآن الكريم أو الحديث أو من كتب الأدب أن لهذه الكلمة معنى آخر أيضا في هذه الحالة. ولو استطاع تقديم الدليل على ذلك من كلمات النبي ﷺ المقدسة لأعطيناه ٥٠٠ روبية دون تأخير. انظروا إلى الترتيب المحكم الموجود في نظام الله تعالى الشمسي، ثم انظروا إلى ما يشمله نظام الهيكل الجسدي للإنسان من ترتيب أبلغ وأحسن فكم من سوء الأدب إذًا، عَدُّ الكلمات الحكيمة لأحسن الخالقين مشتتة وغير مرتبة وغير منسقة! منه.