ترياق القلوب — Page 325
. من الفقرات، فلا بد من وجود ترتيب خفي فيها من حيث المعنى. ولكن الترتيب الظاهري مقدم على أية حال، وإن غض الطرف عنه دون وجود قرينة قوية؛ إلحاد محض وخيانة وتحريف. ولقد صار اليهود ملعونين في نظر الله لنهجهم هذا المنهج فقط. وإذا سألنا أحدٌ ما الدليل على أنه قد رُوعِي الترتيب الظاهري في القرآن الكريم من بدايته إلى نهايته ما عدا بضعة أماكن هي في حكم النادر؟ فإن هذا السؤال ينحل تلقائيا بإمعان النظر في القرآن الكريم نفسه ويكفي دليلا على ذلك أنه لو قرأتم القرآن الكريم من أوله إلى آخره لوجدتموه منخرطا في سلسلة ذهبية من الترتيب الظاهري المحكم ما عدا بضعة أماكن تدخل في حكم النادر. فكما أن الترتيب المحكم ملحوظ في أعمال الله الحكيم، كذلك ستجدون الترتيب نفسه في أقواله أيضا. وإنه لدليل قوي وبديهي على أن القرآن الكريم يراعي الترتيب الظاهري. وإن عدم كفّ اللسان عن المعارضة بعد إدراك هذا الدليل القوي أيضا، ليس إلا إلحادا وخيانة صريحين. فلو أردنا تفصيل هذا الدليل هنا لاضطررنا إلى أن نورد القرآن الكريم كله في هذا المقام، وهذا ما لا يتسع له المجال في هذا الكتاب الوجيز. نحن نعترف بأن هناك مكانا أو مكانين على سبيل الندرة في القرآن الكريم حيث ذكر عيسى أولا ثم ذكر موسى بعده، أو ذكر ني لاحق قبل ذكر ني سبقه وأخر ذكر الأول. ولكن يجب ألا يُفهم من هذه الأماكن القليلة أيضا أنها خالية من الترتيب، بل فيها أيضا ترتيب من حيث المعنى، رُوعِي عند البيان بناءً على حِكَم معينة. ولكن مما لا شك فيه أن القرآن الكريم يراعي الترتيب الظاهري أيضا بدقة متناهية ، وإن جزءا كبيرا من القرآن الكريم يتعلق به. والسبب في ذلك أن مراعاة الترتيب وجه من أوجه البلاغة، بل هي الدرجة العليا من البلاغة التي تضم في طياتها حِكَما كثيرةً. والذي لا ترتيب في كلامه أو وُجد نـــزر يسير فصاحة إن الذي يوقن بالترتيب الظاهري في القرآن الكريم من الأعماق تفتح عليه أبواب مئات المعارف، ويرشده هذا الترتيب إلى مئات النقاط الدقيقة، ويُعطى مفتاح العلوم القرآنية، وكأن القرآن الكريم يرشده من خلال ترتيبه الظاهري إلى أن فيه كذا وكذا من الكنوز. أما الذي ينكر ترتيب القرآن الظاهري؛ فهو محروم دون شك من معارفه الباطنية أيضا. منه.