Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 785
٧٨٥ شدة من الجزء التاسع سورة الهمزة التفسير: لقد بين الله تعالى هنا شدة النار التي تلهب قلوب الكافرين، فقال لا تظنوها نارا عادية، بل هي شديدة كشدة النار التي توقد في الكير لكونها مغلقة من كل الجوانب، فلا تفقد من حرارتها شيئا. ومثال النار المؤصدة على كفار مكة ذلك القرار الذي اتخذوه بعد معركة بدر بصدد كبار زعمائهم الذين قتلوا هنالك، فقالوا فيما بينهم أن لا يبكي أحد قتلاه ولا يقيم مأتما عليهم كي لا تُلطّخ عزّتهم بالوحل. لقد كان قرارا قاسيا جدا، ولكن القوم احترموه، فلم يبك أحد على قتلاه كابتا في قلبه نار الهم والحزن. كانت عيونهم تريد أن تنهمر وكانت ألسنتهم تريد أن تصرخ وتثير ضجة البكاء، ولكنهم ما كانوا ليفعلوا شيئا، لأن القوم قد قرروا عدم البكاء على قتلى بدر وأن يَكُم الجميع أفواههم ممسكين دموعهم خوفًا من شماتة المسلمين. لقد استمر هذا الوضع فترة طويلة، فلم يُسمح للنساء أن يبكين أزواجهن، ولا للأمهات أن يبكين أبناءهن، ولا للإخوان أن يبكوا إخوانهم، ولا للأصدقاء أن يبكوا على أصدقائهم كانت صدورهم تلتهب بنار الحزن المضطرمة، ولكن ما كان لهم أن يجرؤوا على خرق قرار القوم. وذات يوم ماتت ناقة مسافر، فأخذ يبكيها بالشعر في شوارع مكة، فسمعه شيخ عجوز قد قتل اثنان من أولاده في بدر، فخرج من بيته وقال بصوت عال وا أسفاه يُسمح لهذا أن يبكي ناقته، ولا يُسمح لي أن أبكي ابني اللذين قتلا في في بدر؟ فما لبث الجميع أن خرجوا من بيوتهم، وأخذوا في البكاء والصراخ قائلين: لقد حرقتنا نار الحزن وحولتنا رمادًا ولا نقدر على المزيد من الصبر. فاجتمعوا في ميادين مكة وأسواقها وأخذوا يبكون ويندبون حتى صارت مكة كلها مأتما (السيرة) لابن هشام، غزوة بدر) هذا ما أشار الله تعالى إليه بقوله نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ " الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ. . . أي أن هذه النار سوف تضطرم في قلوبهم اضطرامًا وتحيطهم من كل طرف، = * ويصل لهيبها من أخمص أقدامهم إلى قمة رؤوسهم وتحولهم رمادًا.