Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 662
٦٦٢ الجزء التاسع سورة العاديات ليلاً، والثاني أن عندهم حماسًا شديدًا للجهاد، حيث إنهم لا يشنون على العدو الغارة إلا بعد إعلامه ،وإثارته كما تكون غارتهم شديدة يغبر بها الجو في الصباح أيضًا. ويمكن أن يكون ضمير الغائب في (به) راجعا إلى فعل الغارة، أي تكون غارتهم شديدة تثير النقع. وفي هذه الحالة تُعتبر الباء في (به) سببية، أي أثرن نقعًا بسبب الغارة. ولأن التنوين في (نَقعًا) يدل على الكثرة ،والشدّة، فالمعنى: فَأَثَرْنَ بفعل الغارة نَقْعًا كثيرا. وهذا أيضا دليل على شوق المسلمين للجهاد وشجاعتهم، لأن المرء إذا أراد الهجوم المباغت نصح أصحابه بالتقدّم على مهل بدون إثارة الغبار حتى لا ينتبه العدو، لكن الله يقول هنا إنهم لا يثيرون الغبار فقط، بل يثيرونه جدا. وقد تكون الباء في (به) للملابسة، فيكون قوله تعالى (فَأَثَرْنَ بِهِ نَفْعًا إشارة إلى أنهم محترفون في فنّ القتال، ذلك أن ركض المرء الفرس ركضا شديدا فنّ في حد ذاته، ثم حمله الرمح للهجوم وتصويبه نحو العدو أثناء الهجوم مع الركض الشديد فن آخر، فالمراد أنهم يركضون بخيولهم ركضا شديدا مع إجادتهم القتال، إذ المحارب العادي يمكن أن يركض حصانه بشدة ولكنه لا يستطيع القتال جيدا خلال ركضه، بل يضطر إلى تخفيف سرعته من أجل القتال، لكن الماهر يركض حصانه بشدة، كما يجيد القتال في الوقت نفسه. ففي أثناء لعبة الطعن بالرماح على الخيل يأتي الفارس العادي راكضا حصانه بشدة لكن حين يقترب من الوتد الذي يريد إصابته برمحه يخفض من سرعة حصانه، لكن الفارس الماهر يأتي بفرسه راكضا بشدة ويصيب هدفه من دون أن يخفف سرعته. عندما زار الملك البريطاني الهند أقيمت ألعاب بما فيها مسابقة الطعن بالرماح على الخيل، فرأينا أن بعض الفرسان كانوا يخففون من سرعتهم عند وصولهم قريبًا من الهدف، لكن بعضهم كانوا يأتون راكضين خيولهم وينزعون الأوتاد برماحهم بدون أن يخففوا من سرعتها شيئا. وبعض الناس يكونون ماهرين لدرجة أنهم لا يجلسون على متون الخيول بل يتمدّدون على ظهرها راكضين إياها بشدة ويصيبون الهدف، مع أن الراكب العادي لا يستطيع أن يجلس بسهولة على متن الحصان الذي يعدو بهذه السرعة.