Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8)

by Hazrat Mirza Bashir-ud-Din Mahmud Ahmad

Page 610 of 889

Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 610

الجزء الثامن ٦١٥ الله سورة الغاشية جارية. فمثلا تعطي الفقير بعض المال، وبمجرد أن يشتري به خبزا أو طعاما ويأكله ينتهي إحسانك، ولكنك لو علمت الناس الدين أو الخُلق العالي، أو علمت أحدًا حرفة، وساعدته بالمال ليمارس حرفته، أو اشتريت له أدوات صنعته، فهذا إحسان ذو نطاق واسع، لأن إطعام طعام صدقة تنتهي بسرعة، ولكن الإحسان ذا النفع الطويل المدى صدقة جارية. فالمراد من قوله تعالى فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ أن صدقاتهم تكون صدقات جارية، وأن معروفهم ببني جنسهم لا يكون محدودًا أو بسيطا، بل يكون واسع النطاق وطويل المدى. فمثلاً تعلّم الصحابة العلم من النبي ، فنشروه في الدنيا حتى وصل عن فلان وعن فلان وفلان إلى الأجيال القادمة، ثم نقله الذين يلونهم ثم الذين يلونهم إلى من بعدهم حتى وصلت هذه العلوم كلها إلينا. لقد جعل الله تعالى هذه الميزة في الصحابة على خير وجه فكانوا لا يحتفظون بكنوز العلم لأنفسهم، بل كانوا يبلغونها الآخرين كعين جارية. لو كان عند البعض علم أخفوه لأنفسهم، أما الصحابة فقد فعلوا عكس ذلك، حتى روي أن شخصا سأل أحد الصحابة عن حديث لرسول الله ﷺ فقال : لا علم لي به، ولو كنتُ أعلمه والسيف موضوع على عنقي، لسارعتُ إلى تبليغه قبل قتلي، وقلتُ: هذا ما سمعتُ من رسول الله الله البخاري: كتاب العلم). إذا فكان الصحابة عينًا جارية لا يعرفون التوقف، بل كانوا يركضون بعلومهم في العالم. 28 كما أخبر الله تعالى بقوله فيهَا عَيْنٌ جَاريَةٌ أن الصحابة وتلاميذهم يخرجون إلى مناطق نائية، ولن يظلوا متقوقعين في الجزيرة. وبالفعل ترى أن العرب المسلمين خرجوا من وطنهم وانتشروا في أقطار بعيدة في العالم حتى بلغوا الصين ونشروا فيها الإسلام، ووصلوا إلى أنطاكية وأشاعوا فيها الإسلام، ودخلوا في إسبانيا وبشروا أهلها بالإسلام. لقد خرجوا إلى شتى أنحاء الدنيا وأجروا فيها العلم أنهارا وعيونًا. فكما أن ماء العين يروي أراضي بعيدة، كذلك لم يتوقف المسلمون في مكان واحد، بل كانوا يصلون إلى شتى أنحاء العالم لينفعوا أهلها بعلومهم. هذه هي ميزات الأمم التي يكتب لها الغلبة على جماعتنا أن تفكر فيما إذا كنا متحلين بهذه الميزات أم لا. دَعُوا الحكم جانبا فإن الله سيكتبه لنا في وقته، ولكن