Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 252
الجزء الثامن الموت، ومن ٢٥٣ سورة التكوير في هذه الدنيا بشكل كامل دونما تأويل أو توجيه فلا داعي لتطبيقه على القيامة التي تكون بعد الموت. كذلك قال الله تعالى زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بغير حساب (البقرة: ۲۱۳). ويوم القيامة المذكور هنا إشارة إلى يوم فتح مكة وغيره من الأحداث المماثلة التي وقعت في هذه الدنيا. أما إذا اعتبرنا قوله تعالى والَّذِينَ اتَّقَوْا فوقهم يوم القيامة إشارةً إلى يوم القيامة والحشر الذي يكون بعد الموت، فلا يستقيم المعنى، إذ (أولاً): ليس هذا القول حجة على الكافرين، إذ لا جدوى من الاستدلال بحادث يقع بعد ذا الذي سيؤمن بمثل هذا الدليل؟ والإيمان بعد الموت لا قيمة له ولا نفع. وثانيا): ستعني هذه الآية - في هذه الحالة - أن المسلمين لن ينالوا الغلبة في هذه الدنيا، بل بعد الموت. وهذا باطل بداهة بل قد أصبح المسلمون غالبين في الدنيا نفسها يوم فتح مكة وفي المعارك التالية. ولو قيل إن الله تعالى يقول هنا واللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وهذا لا يمكن إلا في الحياة التي تكون بعد الموت فقط، فالجواب أن للرزق بغير حساب مفهومين: الأول أن يُؤتى المرء أكثر من عمله والثاني أن يحسن المرء استعمال الرزق حتى لا يحاسب عليه؛ لأنه يحاسب حين لا يؤدي واجبه فقد كما ينبغي. ورد في الحديث عن عائشة : أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَة إلا هَلَكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كَتَابَهُ يَمينه فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسيرًا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّمَا ذَلكَ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَة إِلا عُذِّبَ. (البخاري، كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب). إذا فكون المؤمنين يُرزقون بغير حساب يعني أنهم سينفقون ما أُوتوا إنفاقا صحيحًا، فينجون من طائلة الحساب. وكلا المفهومين للحساب قد تحقق للمسلمين في الحياة الدنيا، فأُعطوا فيها بغير حساب دون أن ينتظروا القيامة التي تكون بعد الموت ليُعطوا فيها بغير حساب. لا شك أن تضحياتهم كانت جسيمة، غير أن الجزاء الذي أعطاهم الله تعالى كان أكثر من تضحياتهم بكثير،