Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 61
الجزء السادس ٦١ سورة الحج وهنا ينشأ سؤال : إذا كان قربان الإنسان خلافا للمشيئة الإلهية فلم أرى الله تعالى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه؟ والجواب أن تلك الرؤيا كان لها في الواقع تأويل كشفته الأحداث فيما بعد، وهذا التأويل هو أن إبراهيم سيترك ابنه إسماعيل بأمر الله تعالى يومًا ما في مكان وظروف يكون موته فيها أمرًا مؤكدًا بالنظر إلى ظاهر الأحوال، ولكن الله تعالى سيتقبل تضحيته هذه وسيهيئ لإسماعيل أسباب الحياة، وذلك لكي يتم على يده ثانية إعمار ذلك المعبد القديم الذي أراد الله أن يجعله معبده الأخير، ويجعل بيته في مكة هو بيته الأول والأخير كما أنه تعالى بنفسه هو الأول والآخر. إذًا، فالمسلمون لا يحتفلون بعيد الأضحى إحياءً لذكرى كبش ذبحه إبراهيم ال، بل إحياء لذكرى قربان إسماعيل الذي قدّم ليظل بيت الله عامراً. وأي شك في أن ترك إبراهيم ابنه في واد غير ذي زرع كان بمنزلة قتله بيديه، بل كان أكثر من ذلك في الحقيقة؛ ذلك لأن القتل المادي يزهق النفس في لمح البصر، أما في تلك الظروف فلولا فضل الله ورحمته لكان على إسماعيل أن يموت موتا بطيئا وهو يقاسي آلاما شديدة. فرؤيا إبراهيم الا لم تكن لترويج القربان البشري، وإنما أراد الله بها أن يعلّمنا تحمل المشقة والأذى لفائدة الإنسانية. إنما القربان أن التضحية الحقيقية إنما هي المقبول عند الله تعالى هو ذلك الذي فيه حياة الناس. الله وجدير بالذكر هنا أن قول الله تعالى ﴿وَلكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا قد ألقى الضوء على حقيقة القربان وفلسفته بأسلوب رائع لطيف جدا، حيث بين الله تعالى أن مجرد القربان ليس بشيء، بل إن مشاعر الإخلاص التي تكون وراء القربان هي التي لها قيمة عند الله تعالى. فلو ذبح المرء كبشًاً ضخماً ، بدون أن يبتغي به وجه ومرضاته، فلا يساوي قربانه عند الله مثقال ذرة. وقد أشار الله تعالى إلى هذا الأمر اللطيف باستعمال كلمة مَنْسَكًا التي تعني شِرْعَةُ النَسْك" (أي طريقة القربان)، ونَفْسُ النَّسك" (أي الذبيحة، وموضع تذبح فيه النسيكة". والنسيكة، وهي الذبيحة في العربية، مشتقة من النسك، يقال نسك الله : تَطوّع بقربة وذبح لوجهه