Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 524
الجزء السادس ٥٢٤ سورة الفرقان خطأهم، وعندما يرون أن النبي أيضًا بشر مثلنا ومع ذلك يصدق في كلامه، ولا يظلم أحدًا، ولا يبخس أحدًا حقه، ويتجنب كل نوع من المعاصي، فإن هممهم تسمو وتعلو فيستعدون للقيام بالأعمال الصالحة. إذا، فهناك غرضان من بعثة الأنبياء: أولهما أنهم يكملون التعليم الروحاني من الناحية العلمية، وثانيهما أنهم يقومون بالشرح الصحيح للعلم الروحاني من خلال عملهم وأسوتهم. لا شك أن الناس قبل بعثة النبي أيضًا يدركون ضرورة قول الصدق، ولكنهم يعرفون الصدق تعريفا ناقصا جدًّا. ولا جرم أنهم يقولون أن على المرء أن لا يظلم أحدا، ولكنهم يعرفون الظلم تعريفا خاطئًا. كما أن عملهم يكون أشد نقصا من تعريفهم أيضًا، حيث لا يعملون بما يسمونه صدقًا، ولا يتجنبون ما يسمونه ظلمًا. ولكن حين يأتي النبي يقدّم أمام الناس تعريفا جامعا كاملاً لكل حسنة وكل سيئة، ثم يُريهم بعمله كيف يمكن العمل بهذه الأحكام، وهكذا بتقديم أسوته يرفع همم الناس. فالله تعالى يلفت أنظارنا إلى هذه الحقيقة ويقول: مبارك الله الذي أنزل وحيه الذي يبين الأمور بكل دقة، ويميز بين الحق والباطل. ومبارك الله الذي لم من يفوّض هذا الوحي المبارك إلى شخص سيء العمل، ينفر الناس عن الدين بدلاً. أن يرغبهم فيه، بل قد أنزله على شخص قد أورد الموت على نفسه وعلى حياته المادية، وتخلق بأخلاق الله كلية، وجذب الناس إلى الخير بأسوته الحسنة. ثم لو وضعنا في الاعتبار الرواية التي تقول إن النبي ﷺ قد سمح لعبد الله بن الزبير أن يقرأ قول الله تعالى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْده بقراءة أخرى وهي "نَزَّلَ الفرقان على عباده. . . فستعني هذه الآية: تبارك الذي نزل الفرقان لعباده أجمعين على اختلاف طبائعهم وميولهم ورغباتهم. والحق أن هذا الأمر يشكل برهانا ساطعا على صدق الإسلام وعلى كونه دينًا عالميًا. فإن التدبر في تعاليم الإسلام يكشف لنا أنه قد راعى في أحكامه الطبائع الإنسانية بجميع أنواعها لكي لا يشق العمل بها على النفس البشرية. فقد أمر بالاعتدال في الأكل والشرب، بل في كل شيء. فقال إذا صليتم فصلوا بالاعتدال، وإذا صمتم فصوموا بالاعتدال، وإذا أنفقتم فأنفقوا