Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 196
الجزء الخامس ١٩٦ سورة مريم وجهه قوله تعالى إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيًا أنها ذهبت إلى مكان كان إلى الشرق، بدون أن نرفض بيان الإنجيل. وبقي الآن سؤال آخر وهو أن القرآن الكريم لا يذكر إلا ما هو مهم، فهو ليس كتاب قصص حتى يخوض التفاصيل التي لا داعي لها، وإنما يذكر الأمور الهامة فحسب. فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : لماذا قال الله تعالى هنا إن مريم ذهبت إلى مكان شرقي؟ يجب أن يكون في المكان الشرقي خصوصية تتعلق بحادث مريم، وإلا أصبح بيان القرآن لغوا لا طائل تحته. فليكن معلومًا أن للشرق أهمية كبيرة عند اليهود. لقد ورد في التوراة: "وغرس الربُّ الإله جنةً في عدن شرقًا، ووضع هناك آدمَ الذي جبله" (التكوين ٢: ٨). فثبت أن هناك صلة وثيقة بين الشرق والجنة وبداية الخلق الإنساني بحسب التوراة. وكان أهل بابل - التي أخذ إليها اليهود أسارى وتأثروا من أفكارها وتقاليدها تأثرًا كبيرًا – يرون أن الشرق مبارك جدًّا، حيث كانوا يعدون الشرق باب النور، وكانوا يعتقدون أن البطل - ويمكن أن تسمّيه زعيمًا ورسولاً – الذي أنقذ الناس من طوفان نوح كان من سكان الشرق وكانوا يعتقدون أن الغرب عالم الأموات. ويقول حزقيال النبي - الذي عاش بين البابليين - في كتابه: "ثم رفعني روح وأتى بي إلى باب بيت الرب الشرقي المتجه نحو الشرق" (حزقيال ١١: ١). . أي أن باب المعبد كان في جهة الشرق. فلأن ضوء الشمس يسطع من جهة الشرق فيبدو أنهم كانوا يجعلون أبواب المعابد في جهة الشرق تفاؤلاً وتبركًا. " وورد في الإنجيل أن المجوس جاءوا من جهة الشرق، وقالوا "إننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له" (متى (٢ (٢) أي عند ولادة المسيح جاء هؤلاء بعد أن رأوا نجما في الشرق موقنين أن الذي جاء خبره في الصحف قد ولد. لقد ورد في التوراة: "يبرز كوكب" من "يعقوب العدد (۲٤ (۱۷. كانت في هذه الفقرة نبوءة بظهور نبي وكانت روايات اليهود تؤكد ظهوره من جهة الشرق، فقال هؤلاء المجوس الذين جاءوا من ناحية الشرق إنهم قد رأوا نجما، فأدركوا أن النبي الذي أكدت الأنباء ظهوره قد ولد.