Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 4) — Page 323
الجزء الرابع ۳۲۳ سورة النحل التفسير: هذه الآية استمرار للموضوع السابق نفسه حيث يعدّد الله فيها مزيدًا من نعمه على الكفار، ويذكرهم أنهم ينعمون أثناء السفر بالراحة تحت ظلال الأشجار، ويتخذون مصايف في الجبال؛ كما هيّأ لهم اللباس الذي يقيهم من لظى الحر، وعلمهم صنعة الدروع التي تحميهم أثناء الحرب. لقد أوتوا كل هذه النعم لكي ينعموا بالراحة ويكونوا في مأمن من هجمات العدو؛ ولكنهم يدمرون هذا الأمن بأيديهم إذ يستغلون النعم ضد المنعم. لقد أعطاهم الله هذه النعم ليكونوا عبادًا مطيعين له شكرًا عليها، ولكن ما حصل منهم هو العكس، إذ بطرتهم هذه النعم وغرتهم هذه الحماية، فقاموا لمعارضته عز وجل! ومن معاني "أسلم" حمى غيره من شره، علما أن هذا المعنى لا تذكره القواميس المتوفرة حاليا، ولكنه جائز بحسب قواعد اللغة العربية حيث يحولون الفعل اللازم متعديا بإضافة الهمزة إليه وجعله من باب الإفعال كما هو ثابت من الحديث الشريف حيث ورد: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام). وأرى أن هذه الآية تتضمن هذا المفهوم أيضًا أي أننا وهبنا لكم هذه النعم لكي تسلموا من الآفات وتعيشوا عبادا شاكرين لله تعالى فتحموا غيركم من شروركم، ولكنكم اتخذتم هذه النعم أداة للعدوان على الآخرين. هذا، ويمكن أن نستنتج من هذه الآية أمراً آخر يتعلق بالسياسة وهو أنه لا يحق للأكثرية أن تطرد الأقلية من البلد. ولكن هذا لا يمنع من طرد الظالم من البلد، بل من يخالف القانون فلا بد من طرده من المجتمع. إنما أقول إن المسلمين الأوائل ما خرجوا على النظام الحاكم بمكة وما أخلوا بحكم أهلها، وإنما توسلوا إليهم أن لا يمارسوا الإكراه في الدين وأن يسمحوا لهم بأن يقولوا في حرية: ربنا الله، ومع ذلك كان هؤلاء الكفار يؤذونهم.