Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 4) — Page 308
الجزء الرابع سورة النحل لقد ذكر الله تعالى موضوعي التوحيد والهدي السماوي باستمرار وبطرق مختلفة بحيث يدعم أحدهما الآخر، مما زاد البيان قوةً وروعة بحيث اتضح تماما أن أركان العالم الروحاني يشد بعضها بعضا كما تشدّ أجرام العالم المادي بعضُها بعضًا. وحيثما رأيت وجدت حقيقةً واحدةً ونظامًا واحدًا. وفي هذه الآية أيضًا عاد الحديث مرة أخرى إلى تأكيد التوحيد، حيث نبه الله تعالى أن اعتياد الناس احتكار المال والحكم يدل على أمرين: الأمر الأول – وهو ما قد سبق بيانه – أن الإنسان يكره بفطرته أن يُشرك في أمواله وسلطته أحدًا هو تحت حكمه، ولذلك يتطلب الأمر التدخل من قبل قوة خارجية تغير هذا النظام الفاسد بنظام يقوم على مبدأ تساوي البشر ويضمن للجميع حقوقهم. والثاني هو توحيد البارئ، حيث يذكر الله تعالى الإنسان أنه حين يخوّله نعمةً يسلّم أيضًا بملكيته المحددة لها، كما يجيز انتقال حقوقه بشأنها إلى أولاده بالوراثة؛ والإنسان حين يريد نقل خير أمواله، التي هي في الواقع منحة إلهية، فلا يمنحها إلا لأولاده، كما لا يعطي الآخرين الحق في أن يعطوا أملاكه من يشاءون؛ فما لهذا الإنسان يقع في الباطل أي في الشرك، ويصبح ناكرًا لنعمه ؟ أما وكيف يحصل هذا النكران لنعم الله فقد ذكر مفصلا في الآية التالية. وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) التفسير: يقول الله تعالى إننا قد سلّمنا بحقهم في الوراثة ونقلهم أموالهم وسلطتهم إلى أولادهم أو لمن هو على صلة بهم، ولكنهم يردّون على صنيعنا هذا بأنهم يمنحون – في زعمهم سلطتنا وحُكمنا لمن لم نعطه إياها أو لا نريد أن نعطيه. إن أموالهم وعقاراتهم هذه ليست ملكًا لهم في الحقيقة، وإنما هي منحة -