Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 4) — Page 186
الجزء الرابع ١٨٦ سورة النحل لأن النبي إنما يُبعث حين يقوم الناس بتشويه التعاليم الحقة السابقة ولا يستطيعون الحفاظ عليها، فيُحييها النبي من جديد. ثم ضرب مثالاً رائعًا ليبرهن على أن الله وحده حقيق بأن يهدي الناس، فقال: انظروا إلى الحيوانات كيف تأكل الكلأ وتنتج الحليب. الواقع أنه منتوج الآلة التي ركبها الله وعمل في جسم هذا الحيوان. ومثلُ أخلاق الإنسان البهيمية كمثل الكلأ، يحوّلها الله عبر آلة القانون الروحاني إلى أخلاق فاضلة نبيلة. ثم ضرب مثال النحل وأخبر أنها أيضًا تعمل وفق الوحي الإلهي، وتنتج من عناصر النبات البسيطة عسلاً مصفّى فيمكن أن تدركوا من هذا أن كل الكون يعمل بحسب قانون خفي من الوحي، فكيف تستبعدون أن يتزل الوحي لتطوير أخلاق الإنسان، ويأتي بنتائج طيبة شافية له كما يأتي عسل النحل بشفاء للناس؟ غير أن النحل أنواع وأن العسل من حيث جودته درجات متفاوتة، كذلك البشر متفاوتون في مراتبهم، فمع أن المؤمنين يتبعون الوحي نفسه إلا أن كل واحد منهم ينتج عسلاً روحانيا مختلفا عما ينتجه غيره. ثم دلّل بأسلوب آخر على ضرورة الوحي، فقال: كلما يكتب الله وعمل لقوم الازدهار فإنه بعد مرور زمن تحتكر فئة معينة منهم كل المنافع التي يأتي بها هذا الازدهار، مما يسد في وجه الآخرين طريق التقدم، لأن الفئة المستولية على زمام الأمور لا تسمح لهم بالتقدم رغم كفاءتهم وجدارتهم، مع أن الله تعالى قد جعل شركاء في نعمه وأفضاله. فهل هناك من طريق لتغيير هذا الوضع إلا الله الوحي؟ إن الكبراء في ذلك العصر المظلم يدّعون دائمًا : نحن أكفأ القوم وأفضلهم ولذلك نملك زمام الأمر في قبضتنا ولا يكون هناك من سبيل لإبطال دعواهم اللهم إلا أن يدبر لإلقاء القوم في اختبار جديد، وهذا يحتم بعث نبي. وعندما يأتي النبي ينكشف للجميع أن أهل السيادة الحالية ليسوا أكفاء لحمل مسئولية قيادة القوم لأنهم يبقون محرومين من اتباع الوحي النازل على النبي، وأما الذين يُستضعفون فإنهم يوفّقون لتصديق كلام الله مما يبين أن السيادة لم تكن في أيدي