Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 3) — Page 302
الجزء الثالث ٣٠٢ سورة هود العشب والكلأ بما يتزل عليها من ماء السماء. أما أنا فأرى شخصياً أن صالحا الله قد أراد بقوله: (فَذَرُوهَا تَأْكُلُ في أَرْضِ الله أن ذروني أتحرك عليها بحرية في أسفاري التبليغية ولا تمنعوني من أن أنتقل عليها من مكان إلى آخر لأداء واجباتي الدينية. ومثل هذا المجاز كثير في جميع اللغات حيث يراد بمنع المركب منع الراكب، لأنهم إذا أرادوا إيقاف راكب أوقفوا مطيته. فيبدو أن القوم كانوا يحولون دون رحلاته التبليغية ولا يدعونه يتحرك بحرية هنا وهناك، فنهاهم عن ذلك قائلاً: دعوا ناقته تذهب به حيث يشاء لتبليغ رسالة ربه. ولكنهم قتلوا الناقة، أو بتعبير آخر، أخبروه عمليا أنهم لن يسمحوا له بالتبليغ في بلدهم بهذه الحرية. فأخذهم العذاب الذي دمرهم تدميرًا. الله وقد يكون للآية مفهوم آخر، وهو أن صالحا ال كان قد أدرك أن احتكاكه بالقوم يؤدّي إلى المزيد من الفتنة والفساد فأراد أن يتحاشى الاصطدام بهم. وبما أن العيون والمراعي هي ملتقى القوم عموما امتنع بأمر من الله- عن أخذ ماشيته إلى العامة، وصار يرعاها في أرض نائية لا يملكها أحد كما توقف عن إيراد ناقته المراعي الماء في الموعد المعتاد عمومًا، بل اتخذ لذلك موعدًا آخر حيث لا يكون فيه الرعاة الآخرون. ثم أعلن للقوم : ها قد اتخذت أنا وأتباعي كل تدبير ممكن لتفادي الفتنة، متكبدين المشقة والعناء، إذ تركنا المواعيد والمراعي التي قد تؤدي إلى الاحتكاك والاصطدام بكم. فإذا أثرتُم الفتنة والفساد بعد ذلك فسيكون معناه أنكم لا تريدون أن نعيش ونحيا، وعندئذ سوف يحل بكم العذاب من عند الله تعالى. وهذا المعنى يتأكد بالأحداث التاريخية أيضًا حيث تذكر التواريخ القديمة واديا باسم "فج الناقة" العرب قبل الإسلام ص ٦٤ كما ورد هذا الاسم في كتاب الجغرافيا لبطليموس الذي كان قبل الميلاد بمائة وخمسين سنة. والمؤرخون اليونان القدامى يطلقون عليها (Badanata)، وهو تحريف لـ"فج الناقة" (أرض القرآن ج۱، ص ١٩٦). إذن فوجود واد قديم بهذا الاسم يعطى انطباعا أن صالحا ال