Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 2) — Page 8
الجزء الثاني سورة البقرة الناس لأن هؤلاء لا يكونون محتاجين للغير كاليتامى والمساكين وإنمـا يقــدرون بأنفسهم على سد حاجاتهم. فبالجملة، قد راعى القرآن في بيان كل هذه التعاليم ترتيبا رائعا. فبعد أن نبه الخلق على ضرورة عبادة ربهم وحده صنف الناس صنفين، صنف تجب معاملته بالعطف كحق مستحق لهم، وصنف يجب الإحسان إليهم رحمة وشفقة بهم. وقد قدّم الصنف الأول لأن فعل الخير بهم صار دينا علينا لا بد من أدائه وســـــداده، وأخــــر الصنف الثاني لأن إسداء المعروف إليهم يعتبر رحمة وشفقة عليهم. ثم تناول ذكر هؤلاء بالترتيب الذي يستحقونه. ثم تناول العبادات وقدم الصلاة والزكاة علــى غيرهما لكونهما ذروة العبادات البدنية والمالية وأخرهما عن الإحسان إلى خلق الله لكونه أول خطوة إلى عالم الروحانية، ولأن الإنسان بفطرته وبدون أي توجيه من الشرع كثيرا ما يميل إلى فعله أما القيام بالعبادات مفصلا فهو خطوة ثانية، فالذي يخطو الخطوة الأولى هو الذي سوف يتمكن من اتخاذ الخطوة الثانية. وليكن معلوما أن القرآن أحيانا يقدم ذكر حقوق الله نظرا إلى علو شأنه وسمـــو مقامه، فهو سبحانه هو الأعلى والعبد هو الأدنى. . . لذلك ذكر حقوقه هنا قبـ حقوق العباد بينما يقدم القرآن ذكر حقوق العباد في أحيان أخرى، وذلك نظرا لضعف حيلتهم. . كما فعل في نفس الآية عندما ذكر اليتامى قبل المساكين نظرا لضعفهم وقلة حيلتهم. وحيث إن الله تعالى ليس بضعيف بل قوي قادر، لذلك أخر ذكر حقوقه. أما في قوله تعالى و أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فقد قدم على حقوق العباد. وقوله تعالى (أقيموا الصلاة) يتضمن معنى المداومة على الصلوات المفروضة بـدون أي انقطاع، كما يدخل فيها أيضًا النوافل. وقوله تعالى (وءاتوا الزكاة) يعني الزكاة المفروضة إلى جانب الصدقات التابعة لها. فكأن الله تعالى قد جمع في قوله (وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة) العبادتين البدنية والمالية كلتيهما.