Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 344
لقد سبق في شرح معاني الكلمات أن المنّ ما يناله الإنسان بدون تعب ولا نصب. وورد في الحديث: (الكَمْأَة من المنّ الذي أنزل على موسى (مسلم، كتاب الأشربة). ويتضح من الحديث أن المن ليس اسما لشيء معين، وإنما يطلق على كل ما يصلح للأكل وينمو في الصحاري وفوق الصخور والأشجار بدون جهد بشري. فالمن هو الكمأة والترنجبين والمشروم والأشن والنبق وغيرها من ثمار النباتات البرية التي تصلح للأكل كغذاء يسد الجوع. وتوجد هذه الأشياء في البراري والصحاري؛ حتى إن القوافل لتقتات بها أسابيع. ويبدو أن الله تعالى هيأ لنبي إسرائيل في سني الهجرة هذه الأشياء بكثرة في برية سيناء، فأغناهم إلى حد كبير عن الحاجة إلى الحنطة والبقول وغيرها. أما السلوى فهي أيضا خاص وعام كالمن. فالعام منها كل ما يسليك، والخاص طير يشبه السماني، والعسل أيضًا. ورد في التوراة: (فخرجت ريح من قبل الرب، وساقت سلوى البحر وألقتها على المحلة نحو مسيرة يوم من هنا ومسيرة يوم من هناك حوالي المحلة ونحو ذراعين فوق وجه الأرض. فقام الشعب كل ذلك النهار وكل الليل وكل يوم الغد وجمعوا السلوى. الذي قلل جمع عشرة حوامر. وسطحوها لهم مساطح حوالى المحلة. وإذا كان اللحم بعد بين أسنانهم قبل أن ينقطع حَمِي غضب الرب على الشعب، وضرب الرب الشعب ضربة عظيمة جدًا، فدعي اسم ذلك الموضع قبروتَ هَتَّاوَة، لأنهم هناك دفنوا القوم الذي اشتهوا) (عدد ١١: ٣١-٣٤). كان بنو إسرائيل قد عاشوا عبيدا تحت الفراعنة لمدة طويلة، فأراد الله تعالى أن يعيشوا في البرية أحرارا لزرع أخلاق الجرأة والشجاعة فيهم. فبدلاً من أن يُبلغهم كنعان في وقت قصير تركهم مدةً في صحراء سيناء وما حولها من الأماكن، وهيأ لهم هناك أغذية بدون جهد وتعب من جانبهم، منها ما هو حلو ومنها ما هو مالح ومنها ما هو صلب ومنها ما هو لين ومنها ما يُطهى ومنها ما يؤكل نيئًا. . في تنوع يرضي شتى الأذواق، ويسد الجوع، ويغذي الجسم، ويحفظ الصحة. فبالغمام هيأ الله تعالى لبني إسرائيل الماء، وبالمن وفّر لهم غذاء من الفاكهة والخضر، وبالسلوى زودهم باللحم والعسل وغيرها من المأكولات التي تسلي القلب. وكلمة: [أنزلنا] جديرة بالتأمل. فلا يعني هذا أن الله تعالى أنزل المن والسلوى من السماء، وإنما كانت مما ينمو على الأرض. واستخدم لها كلمة [أنزلنا] لأنه تعالى هيأها لبني إسرائيل في ظروف غير عادية. فالترول يدل على الإعزاز والإكرام، أو توفير شيء في أحوال صعبة. وعلى الذين يقعون بسبب كلمة (الترول) في أنواع الأخطاء في مسألة نزول المسيح المنتظر أن يتدبروا ويتنبهوا إلى هذه الأساليب القرآنية. فإذا كان إطلاق كلمة التزول على المن والسلوى وهما من نتاج الأرض ممكنا فلماذا لا يجوز استخدام التزول لمجيء المسيح المنتظر الذي خُلقَ على الأرض؟ الحق أن ظهور نفس طاهرة مصلحة في مثل هذا ۲۹۳